الصفحة 84 من 100

"قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة"

الرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع؛ فإنه بين حركتين: حركة يجلب بها ما ينفعه؛ وحركة يدفع بها ما يضره. والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنا.

وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس؛ فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان والتوحيد؛ والعدل والبر والتصدق والإحسان؛ والأمانة والعفة؛ والشجاعة والحلم؛ والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام وبر الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار؛ وأداء الحقوق؛ وإخلاص العمل لله والتوكل عليه؛ والاستعانة به والرضا بمواقع القدر به؛ والتسليم لحكمه والانقياد لأمره؛ وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه؛ وخشيته في الغيب والشهادة؛ والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه؛ واحتساب الثواب عنده؛ وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به؛ وطاعتهم في كل ما أ مروا به؛ مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته: وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.

ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم: أن أرسل إليهم رسله؛ وأنزل عليهم كتبه؛ وبين لهم الصراط المستقيم. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل أشر حالا منها، فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم.

وفي الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة#"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت