لمحات تاريخية وتحليلية
أ.د محمد مهر علي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:
فهذه لمحة تاريخية وتحليلية عن ترجمات معاني القرآن الكريم لدى المستشرقين.
(أ) الترجمة الأولى وما تلاها إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي
ترجع قصة ترجمة معاني القرآن من قبل المستشرقين إلى بداية الاستشراق بالذات، بل الاستشراق بمفهمومه الحديث بدأ بترجمة القرآن. فبعد أن وضعت الحرب الصليبية الأولى أوزارها أخذ المفكرون المسيحيون يشعرون بالحاجة إلى مواجهة الإسلام على الصعيد العلمي والعقلي، ومن ذلك صنع آلة للحرب الصليبية السلمية (an instrument of pacific crusade) , كما يصفها فيلب ك. حتي (Philip K. Hitti) . (1) وفي مقدمتهم ريموند (Raymond) , رئيس الأساقفة بطليطلة (Toledo) في الأندلس, وبطرس الموقر (Peter the Venerable) , أسقف دير كلوني (Cluny) في فرنسا. وكان الأول وراء تأسيس مدرسة الترجمة بطليطلة؛ حيث نقل أهم الكتب العربية في شتى العلوم إلى اللغات الأوربية, وتبنى الثاني-بطرس الموقر-مشروعًا لترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية, وهي لغة العلم والثقافة في أوروبا وقتذاك, وذلك لدحض القرآن الكريم بزعمه. وقام بهذه الترجمة روبرت ريتيننسيس (Robert Retenensis) من تشستر (Chester) في إنجلترا, وساعده في هذه المهمة هرمان من دلماتيا (Herman of Dalmatia) في ألمانيا ورجلٌ آخر. وتم تنفيذ هذا المشروع في سنة 1143م. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الخطوات التي اتخذها ريموند وبطرس أدت إلى تأسيس أول مدرسة للدراسات الاستشراقية في أوروبا بطليطلة في عام 1250م, وكلية للرهبان الكاثوليك بميرامار (Miramar) في 1276م، وذلك لدراسة اللغة