للأَبدان، وفي حديث الباقر أَنه قال: زَكاةُ الأَرض يُبْسُها، يريد طَهارَتَها من النجاسة، كَالبول وأَشباهه بأَن يجف ويذهب أَثَرُه. اهـ. [1]
والله سبحانه وتعالى هو الذي يزكي النفوس وليس لأحد غيره سبحانه.
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} . [2] أي: ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده، ومن لا يستحقها فليدع العباد تزكية أنفسهم ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلو، والترفع، والتفاخر. [3]
وقال القرطبي رحمه الله تعالى أيضًا: وقوله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكي من حسنت أفعاله، وزكاه الله عزوجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له، وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم، فقالوا بم نسميها؟ فقال سموها زينب، فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية كزكي الدين ومحي الدين، وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئا. اهـ. [4]
وعن خالد الحذاء عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"ويلك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك". مرارا ثم قال:"من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه". [5]
قوله:"أثنى": مدح،"ويلك": الويل الحزن والهلاك، ويستعمل بمعنى التفجع والتعجب،"قطعت عنق صاحبك"تسببت بهلاكه لأنه ربما أخذه العجب بسبب مدحك له،"مرارا"أي كرر قوله مرات،"لا محالة"لا بد منه ألبتة،"أحسب"أظن،"حسيبه"كافيه،"لا أزكي على الله أحدا"لا أقطع له ولا أجزم على عاقبة أحد بخير أو غيره.
(1) لسان العرب (14/ 358) .
(2) سورة النساء الآية (49) .
(3) فتح القدير (1/ 720) .
(4) تفسير القرطبي (5/ 246) .
(5) أخرجه البخاري برقم (2519) ، باب إذا زكى رجل رجلا كفاه، وأخرجه مسلم في الزهد والرقائق، برقم (3000) ، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط.