الصفحة 143 من 289

كنت عرفتني حق معرفتي لما سلمت علي، ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاء طويلا، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا، يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضا لسماع الصحيح ماشيا مع والدي، من هراة إلى الداوودي ببوشنج، ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين ويقول: احملهما، فكنت من خوفه أحفظهما بيدي وأمشي، و هو يتأملني، فإذا رآني قد عييت، أمرني أن ألقي حجرا واحدا، فألقي ويخف عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه وأقول: لا، فيقول: لم تقصر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعة، ثم أعجز، فيأخذ الآخر فيلقيه فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني، وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم فيقولون: يا شيخ عيسى ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول: معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله، بل نمشي، وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالا لحديث رسول الله، ورجاء ثوابه، فكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي، حتى صارت الوفود ترحل إلي من الأمصار، ولم أزل في صحبته وخدمته إلى أن توفي ببغداد في ليلة الثلاثاء من ذي الحجة. ... قلت: وبيض لليوم وهو سادس الشهر قال: ودفناه بالشونيزية، قال لي: تدفنني تحت أقدام مشايخنا بالشونيزية، ولما احتضر سندته إلى صدري، وكان مستهترا بالذكر، فدخل عليه محمد بن القاسم الصوفي وأكب عليه وقال: يا سيدي قال النبي صلى الله عليه و سلم:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"فرفع طرفه إليه وتلا: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين {فدهش إليه هو ومن حضر من الأصحاب، ولم يزل يقرأ حتى ختم السورة، وقال: الله الله الله وتوفي وهو جالس على السجادة. وقال أبو الفرج بن الجوزي: حدثني محمد بن الحسين التكريتي الصوفي قال: أسندته إلي وكان آخر كلمة قالها} يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ومات 309\ 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت