الصفحة 861 من 946

قال إسحاق بن راهويه:- صح عن النبي صلى الله عليه في هذا الباب حديثان ، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة رضي الله عنهما ، فحيث أوجب النص الوضوء من لحم الإبل ، فإنه أبدا لا يكون إلا متفقا مع القياس الصحيح ، وبيان ذلك أن النص أثبت أن الإبل فيها من القوة الشيطانية ما فيها ، ففي الحديث الصحيح"لا تصلوا في مباركها فإنها من الشياطين"فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مباركها لأنها من الشياطين ، فمباركها من المواضع التي تكثر فيها الشياطين ، وفي الحديث الصحيح أيضا"فإنها من الشياطين"أي أن فيها هذه القوة الشيطانية ، والشيطان قد خلقه الله تعالى من مارج من نار السموم ، ففي لحم الإبل هذه القوة النارية ، فلا بد من معارضتها بما يضادها لتذهب المفسدة, وهو الماء ، فشرع الوضوء بعد أكل لحم الإبل ليطفئ هذه القوة النارية الشيطانية ، فتذهب المفسدة وتبقى المصلحة ، أي تذهب مفسدة اللحم وهي هذه القوة النارية ، وتبقى مصلحة التلذذ به وبأكله ، فانظر كيف هذا الاتفاق الذي لا يمكن أن يأتي به إلا من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وجي يوحى ، فمقتضى القياس الصحيح إيجاب الوضوء بعد تناول لحمها ، لإطفاء هذه الحرارة الشيطانية،فالقياسيون إنما نظروا إلى صورة اللحم فقط ، فقالوا:- هو كسائر اللحم ، وأما الشرع فإنه نظر إلى تحقيق المصالح ودفع المفاسد ، أليس هذا هو محض القياس ، لأن الشريعة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فجريا على ذلك أوجبت الوضوء من لحم الإبل ، درءا للمفاسد الموجب لتحقيق المصالح ، فالحق الحقيق بالقبول هو أن الوضوء من أكل لحم الإبل من الواجبات ، فمن أكل لحم إبل وصلى ولم يتوضأ فصلاته باطلة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت