(ما هي العبادة؟ يقولون: هي الطاعة مع غاية الخضوع؛ وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحًا لا يقبل التأويل؛ فكثيرًا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها بل يكتفون أحيانًا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها؛ ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها إجمالًا وتساهلًا.
وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لعبد وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضع وخنع وأطاع وذل نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي (عبد) ويحل محلها ويقع موقعها؛ ولذلك قالوا: إن لفظ (العباد) مأخوذ من العبادة فتكثر إضافته إلى الله تعالى ولفظ (العبيد) تكثر إضافته إلى غير الله تعالى لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى (الرق) وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى.
ومن هنا قال بعض العلماء: إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى ولكن استعمال القرآن يخالفه؛ يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوًا حتى يفنى هواه في هواه وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة؛ ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، فضلًا عن سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئًا من هذا الخضوع عبادة، فما هي العبادة إذًا؟
تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها.