فهرس الكتاب
الوجه الثالث: أن (غير) لا يعقل ورودها بدلًا وإنما ترد استثناء أو صفة أو حالًا؛ وسر ذلك أنها لم توضع مستقلة بنفسها بل لا تكون إلا تابعة لغيرها ولهذا قلما يقال جاءني غير زيد ومررت بغير عمرو والبدل لا بد أن يكون مستقلًا بنفسه كما تبين أنه المقصود.
ونكتة الفرق أنك في باب البدل قاصد إلى الثاني متوجه إليه قد جعلت الأول سلمًا ومرقاة إليه فهو موضع قصدك ومحط إرادتك؛ وفي باب الصفة بخلاف ذلك إنما أنت قاصد الموصوف موضح له بصفته؛ فاجعل هذه النكتة معيارًا على باب البدل والوصف ثم زن بها غير المغضوب عليهم هل يصح أن يكون بدلًا أو وصفًا.
الجواب الثاني: أن غير ههنا صح جريانه صفة على المعرفة لأنها موصولة والموصول مبهم غير معين ففيه رائحة من النكرة لإبهامه فإنه غير دال على معين فصلح وصفه بـ (غير) لقربه من النكرة؛ وهذا جواب صاحب (الكشاف) .
فإن قلت: كيف صح أن يقع غير صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه فهو كقوله
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
ومعنى قوله لا توقيت فيه: أي لا تعيين لواحد من واحد كما تعين المعرفة بل هو مطلق في الجنس فجرى مجرى النكرة واستشهاده بالبيت معناه أن الفعل نكرة وهو يسبني وقد أوقعه صفة للئيم المعرفة باللام لكونه غير معين فهو في قوة النكرة فجاز أن ينعت بالنكرة وكأنه قال على لئيم يسبني وهذا استدلال ضعيف فإن قوله يسبني حال منه لا وصف والعامل فيه فعل المرور المعني أمر على اللئيم سابًا لي أي أمر عليه في هذه الحال فأتجاوزه ولا أحتفل بسبه.