الصفحة 3 من 39

تفسير سورة الملك > الآية الثانية

"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور"الآية:2

** قال بن عاشور: ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) صفة ل ( الذي بيده الملك ) .

و الآية السابقة ذكرت عموم القدرة و من أعظم ما تظهر فيه القدرة صفة الخلق فذكر سبحانه هنا مخلوقين من أعجب ما يكون بهما قهر الخلق و ظهر ملكه و سلطانه عليهم"كل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام"و هما الموت و الحياة.

و لا يفوت هنا تذكر محاجة إبراهيم صلى الله عليه و سلم للملك"إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي و يميت قال أنا أحيي و أميت"قالها الملك بطرا للحق و هو يعلم أنه مقهور بالموت .

فالله العظيم بيده الموت و الحياة فمن ممن دونه يملك ذلك لنفسه فضلا عن غيره و من ممن يعظم الخلق مهما بلغ من سلطان في الدنيا لا يدخل تحت هذا القهر فاللهم غفرا.

فهذا مدعاة لوضع الأمور في نصابها الصحيح فالله سبحانه رفع بعض الخلق على بعض في الدنيا ابتلاء و ليس هذا الحال الذي ستدوم عليه الأمور و توشك أن تستوي الرؤوس في الآخرة بل لن تستوي فليس المسلمين كالمجرمين قال سبحانه"و الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة".

**"خلق الموت و الحياة":

1 -وردت مجموعة من الأثار أن الحياة فرس جبريل و الموت كبش أملح:

*أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: والذي خلق الموت والحياة قال: الحياة فرس جبريل عليه السلام والموت كبش أملح .

*وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الموت كبشا أملح مستترا بسواد وبياض له أربعة أجنحة جناح تحت العرش وجناح في الثرى وجناح في المشرق وجناح في المغرب .

* و في روضة المحدثين عن ابن عباس قال: الموت و الحياة جسمان فالموت كبش لا يجد ريحه شىء إلا مات ، و الحياة فرس بلقاء أنثى و هى التى كان جبريل و الأنبياء يركبونها لا تمر بشىء و لا يجد ريحها شىء إلا حيى .

قال الحافظ فى"الفتح": من الأخبار الواهية في صفة البراق .

*و في تفسير اللباب: روى الكلبي عن ابن عبَّاسٍ: أن الله - تعالى - خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ، ولا يجد رائحته شيء إلاَّ مات ، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البَغْل لا تمر بشيء ، ولا يجد رائحتها شيء إلا حيي .

قلت: و الكلبي ضعيف لا يحتج به.

و فيه:حكى ابنُ عباس ، والكلبي ومقاتلٌ: أن الموت والحياة يجسمان ، فالموت في هيئة كبْش لا يمر بشيء ، ولا يجد ريحه إلا مات ، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاءَ وهي التي كان جبريل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يركبونها ، خطوتُها أمدُ البصر فوق الحمار ودون البغل ، لا تمر بشيء يجد ريحًا إلا يحيى ، ولا تطأ على شيء إلا حيي ، وهي التي أخذ السَّامري من أثرها ، فألقاها على العِجْل فحيي .

حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس ، والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي .

**حديث"إذا دخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة و النار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون فينظرون و يقولون: نعم هذا الموت و كلهم قد رآه ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت و كلهم قد رآه فيؤمر به فيذبح و يقال: يا أهل الجنة خلود و لا موت و يا أهل النار خلود و لا موت". صححه الألباني

قال القاضي عياض: ( قال بعض أهل المعاني: واختلاف اللونين في هذا التمثيل يحتمل أنه لاختلاف الحالين، فالبياض لجهة أهل الجنة الذين ابيضت وجوههم، والسواد لأهل النار الذين اسودت وجوههم) .اه

و في تحفة الأحوذى: قال القرطبي الحكمة في الإتيان بالموت هكذا الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به كما فدى ولد إبراهيم بالكبش

وقال بن العربي استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسما فكيف يذبح فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته وتأولته طائفة فقالوا هذا تمثيل ولا ذبح هناك حقيقة وقالت طائفة بل الذبح على حقيقته والمذبوح متولى الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم .

وقال المازري: الموت عندنا عرض من الأعراض وعند المعتزلة ليس بمعنى بل معناه عدم الحياة وهذا خطأ لقوله تعالى خلق الموت والحياة فأثبت الموت مخلوقا وعلى المذهبين لا يصح أن يكون كبشا ولا جسما وأن المراد بهذا التمثيل والتشبيه ثم قال وقد يخلق الله تعالى هذا الجسم ثم يذبح ثم يجعل مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الاخرة

وقال القرطبي في التذكرة الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذا الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقى في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين .

وقال غيره: لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجسادا يجعلها مادة لها كما ثبت في مسلم في حديث أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان ونحو ذلك من الأحاديث. انتهى

قال صاحب التحفة: هذا القول الأخير هو المعتمد .

2 -قال أبو حيان: ومعنى { خلق الموت } : إيجاد ذلك المصحح وإعدامه ، والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون .

قال بن عاشور: ومعنى خلق الحياة: خلق الحي لأن قوام الحي هو الحياة ففي خلقه خلق ما به قوامه وأما معنى خلق الموت فإيجاد أسبابه وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي ولكنه لما كان عرضا للمخلوق عبر عن حصوله بالخلق تبعا كما في قوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) .

وأيضا لأن الموت تصرف في الموجود القادر الذي من شأنه أن يدفع عن نفسه ما يكرهه .

والموت مكروه لكل حي فكانت الإماتة مظهرا عظيما من مظاهر القدرة لأن فيها تجلي وصف القاهر

فأما الإحياء فهو من مظاهر وصف القادر ولكن مع وصفه المنعم

فمعنى القدرة في الإماتة أظهر وأقوى لأن القهر ضرب من القدرة

ومعنى القدرة في الإحياء خفي بسبب أمرين بدقة الصنع وذلك من آثار صفة العلم وبنعمة كمال الجنس وذلك من آثار صفة الإنعام .

والمعنى: أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات والسيئات ثم أمواتا يخلصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها.

3 -وقيل: كنى بالموت عن الدنيا ، إذ هو واقع فيها ، وعن الآخرة بالحياة من حيث لا موت فيها ، فكأنه قال: هو الذي خلق الدنيا والآخرة ، وصفهما بالمصدرين ، وقدّم الموت لأنه أهيب في النفوس.

روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان.

4 -قال الرازى: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت ، فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه تعالى قال: { الذى خَلَقَ الموت } والعدم لا يكون مخلوقًا هذا هو التحقيق.

5 -وعن مقاتل: « خَلَقَ المَوْتَ » يعني: النُّطفة والعلقة والمُضغة ، وخلق الحياة ، يعني خلق إنسانًا ، ونفخ فيه الروح ، فصار إنسانًا .

قلت (شريف) : و كما قال صاحب التحفة قد ينشئ الله للأعراض أجساما يوم القيامة و لا يلزم من كون الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش أملح أن هذه الكيفية التي خلق عليها فهذا لا يستطيع أحد أن يثبته أو ينفيه إلا بأثر و الأثار الواردة لا حجة فيها إلا الحديث الأخير و كون الموت و الحياة فيما يبدو للخلق أعراض تعرض للخلق و ليست أجسام محسوسة لا ينفى أن يكون له من الكيفية و الخلقه ما نجهله و يعلمه الله فالأولى و الصواب الإيمان بما أوحاه الله سبحانه إلى نبيه و عدم تكلف تأويله و أخذ العبرة المطلوبة منه و عدم القول و الخوض في الدين بغير علم فلو كان ذلك مهما في أمر المعاد لأوضحه الله سبحانه غاية الإيضاح و لكنه كعدد أصحاب الكهف و غير ذلك مما لا نفع في تحقيقه بل المقصود من ذكره العبرة و العظة لا الانشغال بكيفيته و الله أعلم.

قال تعالي في سورة الإسراء:" (48) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) "

قال بعض أهل التفسير:"أو خلقا مما يكبر في صدوركم"قالوا الموت فلو كنتم حجارة أو حديدا أو الموت نفسه لم تعجزوا الله سبحانه أن يبعثكم و يعيدكم و الله لا يعجزه شيء و لا يتعاظمه شيء .

في صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال ( اقبلوا البشرى يا بني تميم ) . قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال ( اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ) . قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر قال ( كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض ) .

قال بن حجر في الفتح:قوله كان الله ولم يكن شيء غيره في الرواية الآتية في التوحيد ولم يكن شيء قبله وفي رواية غير البخاري ولم يكن شيء معه والقصة متحدة فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى ولعل راويها أخذها من قوله صلى الله عليه و سلم في دعائه في صلاة الليل كما تقدم من حديث بن عباس"أنت الأول فليس قبلك شيء"لكن رواية الباب أصرح في العدم وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما لأن كل ذلك غير الله تعالى .

الله الملك هو الأول فليس قبله شيء و لم يكن له كفئا أحد و هو خالق كل شيء فكل ما سواه مخلوق مقهور مربوب خلق الله سبحانه الأجسام و المخلوقات المختلفه فمنها الجماد و منها النبات و منها الأحياء و خلق سبحانه الأعراض التي تعرض لها خلق الموت و الحياة و الصحة و المرض و السعادة و الشقاء و الألم و الراحة و الجوع و الشبع و غير ذلك و لا ندرى كيفية خلق هذه الأعراض و هل لها أجسام لا نعلمها ؟ أم هي كإدراكنا لها مجرد أعراض؟ فلله العلم.

و أحكم الله سبحانه خلقه و أتقنه في كل جزء منه و فرع فترى ألاف الأبحاث فقط حول مخلوق واحد و لا تشمل كل ما فيه و الخلق أعجز من أن يخلقوا ذبابة.

و الزمان شيء و المكان شيء و الله خالق كل شيء فهما مخلوقان و لكن كيفيتهما فهذا تحار فيه الألباب و النهى و ليس فيه أثارة من علم يستدل بها و نحن خلقنا محاطين بهذه الحدود فلا نتصور غيرها و إعمال العقل في ذلك لن يوصل لنافع.

و ليس لنا البحث في ذات الله لحديث"تفكروا في خلق الله و لا تفكروا في الله"حسنه الألباني و لأن ذلك التفكر لن يوصل لشيء لعجز مداركنا و أفهامنا و حواسنا و علمنا عن ذلك فهو في أحسن أحواله مضيعة للوقت إن لم يؤدى للضلال المبين فأهل السنة و الجماعة يثبتون ما ثبت بالأثر و لا يتعرضون للكيفية و لا يزيدون من عند أنفسهم وصفا إلا بدليل فلا ينفون ماجاء به الأثر و لا يكيفون بالعقول القاصرة و هذا أعدل المسالك و أقومها و الله أعلم.

*** و هذه علة الخلق الابتلاء والاختبار ليظهر الأوائل والأفاضل لتتجلى تلك اللحظات الإيمانية الرائعة ليصلي المصلي و يخشع الخاشع و يتدبر المؤمن و يجاهد المجاهد و يصطفي الله من شاء لجواره في جنة عرضها السماوات و الأرض .

الدنيا دار اختبار و المرء في كل لحظة يجيب أسئلة الاختبار و لا فسحه و لا راحة فغير مسموح بالخروج من مكان الاختبار قبل انتهاء الوقت و ليس معنى ذلك أن المؤمن عليه أن يعمل في الدنيا بلا راحة بل حتى الراحة فيها سنة يُعمل بها .

و ما أعظم تكريم الأخيار أن يذكر الله أن هذه الدنيا إنما خلقت ليبتلى الخلق فيظهر أيهم أحسن عملا و قد اصطفاهم الله لهذه الفضيلة فكأن الدنيا خلقت من أجلهم و لو هانوا فيها و لو أوذوا فيها و لو قتلوا فيها.

و هناك من الخلق من لا ينتبه إلى هذه العلة فيحيا و لا يعلم علة خلق الموت و الحياة كأغلب حال أهل الأرض اليوم يحيون حياة الأنعام و المؤمن لما يعلم علة الخلق يكون له شأن أخر و لو فرط و قصر فهو يؤمن ربه و يعلم بدايته و مآله.

*** و لا شك أن في الآية أعظم الحث على فعل الخير و الاستكثار منه و العمل يحتاج لفقه و ليس الفقيه من يعلم الخير من الشر بل الفقيه من يعلم خير الخيرين و شر الشرين فالدنيا لا تسير دوما كما يشتهى المرء بل قد يتعرض لما لا يريد و تتعارض الواجبات و قد يبتلى بمحرمات يضطر لأحدها و على أفضل أحواله لا بد له من تمييز بين الفاضل و المفضول من الخير فالعمر قصير و الخير كثير و طاقة الإنسان محدودة فالفقه دليل السالك و لا أعني هنا بالفقه الفقه الاصطلاحي الذي هو الأحكام الشرعية العملية بل أعني ما هو أعم و أوسع من ذلك بما يشمل كل أحكام الدين .

و لو عجزت الهمة عن إكمال المعالي ففي الضرب بسهم من كل خير سعة و يسر.

و خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم و السبيل الوحيد و هو أنفع السبل و السالك بقدر إصابته منه بقدر إصابته للحق فعبادته أفضل العبادة مطلقا و لو زاد غيرها عليها و سنته أفضل السنن مطلقا و هكذا إلا أنه ينتبه أن النبي صلى الله عليه و سلم كانت له من الوظائف ما ليس منها لأحدنا فهو نبي مرسل و قائد للأمة و زوج و والد و مربي و عابد و عالم و مجاهد و غير ذلك من الفضائل و هناك من الوظائف ما كان النبي صلى الله عليه و سلم لا يزيد فيها لا في سراء و لا ضراء و لا فراغ و لا شغل عن حد معين فلا يزاد عليه و هناك من الأعمال ما واظب عليها النبي صلى الله عليه و سلم و هناك ما كان يتغير مقداره بتغير الأحوال و الأشغال و هكذا فيوضع كل في نصابه و يقدم الأهم فالمهم و ليس كل الخلق يلجون من كل الأبواب فمن فتح له في باب من الطاعة فليستعن بالله و كل ميسر لما خلق له.

و من عجز فلا أقل من الدعاء و اللُجأ إلى الله أن يفتح له الباب و أن يعينه على ذكره و شكره و حسن عبادته

و اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.

*** قال العلماء و قدم الموت على الحياة لوجوه:

أحدها: قال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح .

وثانيها: روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان.

وثالثها: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: « أن مناديًا ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة ، فيعلمون أنه من قبل الله عز وجل فيقولون: لبيك ربنا وسعديك ، فيقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا: نعم ، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح ثم ينادي يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت » فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا وهي منقضية ، وأما أيام الآخرة فهي أيام الحياة وهي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة لا جرم قدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة.

ورابعها: إنما قدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض له أهم .

الخامس: وفي الكلام تقدير: هو الذي خلق الموت والحياة لتحيوا فيبلوكم أيكم أحسن عملا وتموت فتجزوا على حسب تلك البلوى ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة .

السادس: الموت أعظم في بيان القدرة و الملك فهو قهر عظيم لكل حي و لا يخرج أحد من سلطان الموت مهما بلغ سلطانه في الدنيا و هو أهيب في النفوس من ذكر الحياة.

*** و في التحرير:التعريف في ( الموت ) و ( الحياة ) تعريف الجنس واللام في ( ليبلوكم ) لام التعليل أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم . الخ

وجملة ( ليبلوكم ) إلى آخرها معترضة بين الموصولين و في البحر: وليبلوكم متعلق بخلق.

** و في التحرير:والبلوى: الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم أي ليعلم علم ظهور أو مستعارة لإظهار الأمر الخفي فجعل إظهار الشيء الخفي شبيها بالاختبار

و في البحر: وسمى علم الواقع منهم باختيارهم بلوى وهي الحيرة ، استعارة من فعل المختبر.

***"أيكم أحسن عملا":

1 -وردت بعض الأثار في الأية نسوقها:

*روى البيهقي في شعب الإيمان قال: و أنا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسين نا إسحاق بن منصور السلولي (صدوق) نا أسباط بن نصر (مرتبته عند بن حجر صدوق كثير الخطأ يغرب) عن السدي: { الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}

قال: أيكم أكثر للموت ذكرا و له أحسن استعدادا و منه أشد خوفا و حذرا.

قلت: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة السدى ، أبو محمد القرشى الكوفى الأعور .

مرتبته عند ابن حجر: صدوق يهم و رمى بالتشيع

مرتبته عند الذهبي: حسن الحديث ، قال أبو حاتم: لا يحتج به.

*و في روضة المحدثين عن أبى قتادة قلت: يا رسول الله أرأيت قول الله عز و جل"أيكم أحسن عملا"ما عنى به ، قال:"أيكم أحسن عقلا"، ثم قال:"أتمكم عقلا أشدكم لله خوفا و أحسنكم فيما أمر به و نهى عنه نظرا ، و إن كان أقلكم تطوعا".

قال الحافظ فى"المطالب": من كتاب العقل لداود بن المحبر ، أودعها الحارث بن أبى أسامة في مسنده ، و هى موضوعة كلها ، لا يثبت منها شىء .

*و فيها عن ابن عمر رفعه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه تلا: ( تبارك الذى بيده الملك ) إلى قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) قال:"أيكم أحسن عقلا ، و أورع عن محارم الله ، و أسرعهم في طاعة الله عز و جل".

قال الحافظ فى"المطالب": من كتاب العقل لداود بن المحبر ، أودعها الحارث بن أبى أسامة في مسنده ، و هى موضوعة كلها ، لا يثبت منها شىء .

* وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن حاتم عن قتادة في قوله: الذي خلق الموت والحياة قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:"إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء".

قال الطبرى:وقد حدثني ابن عبد الأعلى (ثقة) ، قال: ثنا ابن ثور (محمد بن ثور الصنعاني:ثقة) ، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) قال: أذل الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء.

قلت:السند صحيح إلى قتادة.

و قال:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ) ذكر أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أكان يقول:"إنَّ الله أذَلَّ ابْنَ آدَمَ بالمَوْتِ".

2 -عن ابن عباس والحسن والثوري: أزهدكم في الدنيا.

3 -أن يكون أخلص الأعمال وأصوبها لأن العمل إذا كان خالصًا غير صواب لم يقبل ، وكذلك إذا كان صوابًا غير خالص فالخالص أن يكون لوجه الله ، والصواب أن يكون على السنة

4 -روي عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركًا لها.

*** قال أبو حيان: { وإيكم أحسن عملًا } مبتدأ وخبر ، فقدر الحوفي قبلها فعلًا تكون الجملة في موضع معموله ، وهو معلق عنها تقديره: فينظر ، وقدّر ابن عطية فينظر أو فيعلم.

قال الرازى: في تعلق قوله: { لِيَبْلُوَكُمْ } بقوله: { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } وجهان:

الأول: وهو قول الفراء والزجاج: إن المتعلق بأيكم مضمر والتقدير ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملًا.

والثاني: قال صاحب «الكشاف» : { لِيَبْلُوَكُمْ } في معنى ليعلمكم والتقدير ليعلمكم أيكم أحسن عملًا .

** و في التحرير:و ( أحسن ) تفضيل أي أحسن عملا من غيره فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأولى لأن إحصاءها والإحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع ومن الفساد في النفس وفي نظام العالم وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) إيجاز.

*** و لم تنص الآية أن المراد العمل الأكثر بل المراد الأحسن و هو ما اجتمعت فيه الكمية والكيفية التي ترفعه عن غيره فليس المراد الكم فقط و لا الكيف فقط بل ما يحصل باجتماعه منها الأفضلية .

و الأصل في كل عمل كي يكون مقبولا شرطي الإخلاص و المتابعة ثم ينظر بعد ذلك لأعظم الأعمال فالذي يليه و العمل الذي يجتمع فيه الإخلاص و حضور القلب يفوق مثله مما يزيد عليه في الكم في أغلب أحواله إلا لو كانت الزيادة عظيمة و كما أسلفنا الأحسن هو حال النبي صلى الله عليه و سلم و لو كان أرفق بالنفس و أقرب فطريق الجنة مغلق إلا لمن خلفه و طريق الكمال لزوم غرزه حذو القذة بالقذة.

مثال: بكى النبي صلى الله عليه و سلم عند وفاة ابن بنته و قال صلى الله عليه و سلم:"هذه رحمة يجعلها الله في قلب عباده و إنما يرحم الله من عباده الرحماء"و اخبرنا النبي صلى الله عليه و سلم أنه وجد في من كان قبلنا من الأمم من كان يفرح بالبلاء كفرح أحدنا بالرخاء احتسابا للأجر.

فحال النبي صلى الله عليه و سلم أتم و أقرب و هو مراد الله سبحانه منا و لو فعله أحد منا ما كان في فعله نقص و لا تفريط بل هو الكمال في حقه في هذا الابتلاء.

لذلك فيصعب جدا الوصول لهذه الدرجات لغير العلماء العاملين الذين يتقنون الفروق و الفضائل و يقدمون خير الخيرين و يؤخرون شر الشرين عند التعارض.

فهناك من قعد به علمه و هناك من علم و قعد به عمله أما الأفاضل فهم علموا و عملوا و تنافسهم في منزلة أعلى و درجة أسمى .

و استغفر الله من حديث لم أشم له رائحة و لكن أدونه عسى الله أن يفتح على به و يعمل به من شاء الله من خلقه فيصيبني بذلك خير .

*** و لم تقل الآية أن الغرض من خلق الدنيا البلاء ليظهر المسيء من المحسن بل المقصود الأوائل و السابقون فهم الغاية من الخلق و هم صفوته اللهم أجعلنا منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت