وثلاثمائة وألف
للمؤتمر الوطني الهندي للمرة الثانية، وألقى خطبة بليغة في أسلوب أدبي.
ونشبت الحرب العالمية الثانية سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف، وبدأ المؤتمر المقاومة السلمية،
وأسرت الحكومة أبا الكلام لسنة وثمانية أشهر، ولكن أطلقته قبل انتهاء هذا الميعاد، وأرسلت الحكومة
السياسي الإنجليزي المعروف استيفورد كريبس، وجرت بينه وبين أبي الكلام مذاكرات بصفته رئيس
المؤتمر، ظهر فيها ذكاؤه وحنكته، وأخفقت هذه المذاكرات، وفي رجب إحدى وستين وثلاثمائة وألف
قرر مجلس المؤتمر التنفيذي الطلب من الإنجليز بأن يغادروا البلاد في أسلوب مكشوف سافر، وكان
أبو الكلام رئيس هذا المجلس بحكم منصب الرئاسة، وألقت الحكومة القبض على جميع أعضاء
المجلس، وفيهم أبو الكلام على إثر هذا القرار، واعتقلتهم في قلعة أحمد نكر التاريخية الأثرية، ودام
هذا الاعتقال إلى رابع رجب سنة أربع وستين وثلاثمائة وألف ثلاث سنين إلا شهرين، اشتغل فيها
بالمطالعة وكتابة الرسائل الأدبية، التي وجهها إلى مولانا الأمير حبيب الرحمن الشيرواني، سجل فيها
خواطره ومشاعره في أسلوب أدبي رفيع، وصدر هذا الكتاب باسم غبار خاطر.
وانعقد مؤتمر في شمله حضره أبو الكلام كوكيل للمؤتمر، وأخفق هذا المؤتمر أيضًا، وقامت في سنة
خمس وستين وثلاثمائة وألف حكومة في المركز، كانت تتألف من ممثلي المؤتمر الوطني والعصبة
الإسلامية واختير أبو الكلام وزيرًا للمعارف، وزارت الهند بعثة كانت تتألف من كبار وزراء
بريطانيا للوصول إلى اتفاق بين الحكومة البريطانية وأحزاب الهند السياسية في جانب وبين
الطوائف الهندية في جانب آخر، تقرر بعد ذلك مصير الهند وتمنحها الاستقلال الذي اقتضته
الظروف العالمية والأوضاع الداخلية في بريطانيا وفي الهند نفسها، ساهم في المذاكرات معها أبو
الكلام مساهمة ذات قيمة، وظهرت فيها لبقاته ومرونته، وأصرت العصبة الإسلامية تحت قيادة
رئيسها محمد علي جناح على المطالبة بالتقسيم، وتكوين دولة باكستان لا ترى عنها بديلًا ولا تجد
عنها محيصًا، وكان أبو الكلام من أشد المعارضين لهذه الفكرة، ولكن استسلم لها كبار زعماء المؤتمر
وجميع زملائه من الأكثرية، وقبل هذا المبدأ وتقرر التقسيم، وحدثت اضطرابات هائلة، وحروب
طاحنة، ومذابح طائفية تقشعر لها الأبدان، ويشمئز منها الوجدان، قصمت ظهر أبي الكلام، وهدأت
ثائرته، وفترت همته ونشاطه، فلزم البيت، وبقي عضوًا في مجلس المؤتمر التنفيذي، ووزيرًا
للمعارف الحكومية المركزية، منطويًا على نفسه، بعيدًا عن المجامع الشيعية، حتى وافته المنية لليلة
خلت من شعبان سنة سبع وسبعين وثلاثمائة وألف في دهلي، وصلى عليه جمع كبير من المسلمين،
ودفن في الرحبة التي تواجه المسجد الجامع في مشهد شعبي عظيم وجم غفير.
إن أحمد أبا الكلام يحيط بشخصيته وحياته شيء كثير من الغموض والاضطراب وقد شاعت أخبار
عن أسفاره إلى بلاد العرب، ودراسته في الأزهر، يصعب تصديقها على المتعمق في مطالعة
التاريخ، والمتتبع لحوادث حياته ونشاطه، وقد روى في كتابه تذكرة، وروى عنه بعض خاصته
أخبارًا وتفاصيل عن أسرته وأجداده، ومآثرهم ومواقفهم في الدعوة وقول الحق لا يعتمد عليه
المطلعون على تاريخ الهند وتراجم العلماء، وقد تناولها بعض النقاد بالبحث.
ولكن مما لا شك فيه أنه كان من نوابغ الرجال ونوادر العصر، فطنة وذكاء، وحدة ذهن وتوقد فكر،
وثقة بالنفس واعتدادًا بها، واعتزازًا بكرامته، وتمسكًا برأيه وعقيدته، وثباتًا على المبدأ وإباء عن
الضيم، وترفعًا عن خسائس الأمور وسفاسفها، وكان جميلًا وسيمًا أبيض اللون، مشرب الحمرة، فارع
القامة، قليل شعرات اللحية، حسن الملبس والشارة، لطيف العشرة، مليح الكلام، فصيحًا في كتابته
وخطبه وحديثه، ينتقي اللفظ الصحيح الفصيح، قوي الذاكرة كثير المحفوظ، حسن الاختيار للأبيات،
حسن الاقتباس من القرآن والاستشهاد بالآيات، خطيبًا مصقعًا، كاتبًا بليغًا، وصحافيًا بارعًا، وسياسيًا
ثاقب الفكرة سليم الذهن، مطلعًا على كتب التاريخ والأدب وأخبار الشعوب والبلاد، حسن التصرف
فيما وعته