الصفحة 14 من 45

تدوين التفاسير الأُول مثل ما روي عن ابن عباس وأصحاب ابن مسعود، فقد أخذ أصحاب هذا الرأي يفتحون الباب من شَقِّه، ويقربون ما بعد من الشُّقَّة. وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروي عن الصحابة والتابعين، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب، وشاكل الطبري في تفسيره معاصروه.

كما أشار ابن عاشور إلى أصحاب التفسير بالرأي المذموم متخذا في ذلك عديد الأمثلة من غلاة الشيعة والباطنية والصوفية وكثير من الفرق المتعددة التي حملت معاني القرآن ما لم تحتمله وأولوه على حسب أهواءهم ومعتقداتهم وخالفوا بذلك رأي الأمة. متخذا في ذلك دور الناصح من هذه التأويلات والإشارات التي لم يستند فيها أصحابها إلى دليل ولا اعتمدوا على علم يخول لهم ما أباحوه لأنفسهم، فقال:"وإن سكوت العلماء على ذلك زيادة في الورطة، وإفحاش لأهل هذه الغلطة، فمن يركب متن عمياء، ويخبط خبط عشواء، فحق على أساطين العلم تقوية اعوجاجه، وتمييز حلوه من أجاجه".

قال تعالى: - وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ - يقول، فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية، والجماعية، والعمرانية، ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق. وأما الصلاح الجماعي فيرجعه الشيخ ابن عاشور أولا إلى الصلاح الفردي، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه ويتمثل ذلك في ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض، وهو علم المعاملات، ويعبَّر عنه - كما يقول ابن عاشور- عند الحكماء بالسياسة المدنية.

وأما الصلاح العمراني، فهو ضبط تصرف الجماعات والأقاليم بعضهم مع بعض لإعمار الأرض على وجه يحفظ مصالح الجميع، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، وأطلق عليه -نسبة إلى بن خلدون- علم العمران وعلم الاجتماع.

ويرى الشيخ ابن عاشور مراد الله من كتابه ما به يقوم حفظ مقاصد الدين، قال تعالى: - كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ ... إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ - وإن كان الاطلاع على مراد الله موضوع خلاف طويل فلا مانع من التكليف باستقصاء البحث عنه بحسب الطاقة ومبلغ العلم مع تعذر الاطلاع على تمامه. وعلى الآخذ في هذا الفن أن يعلم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن لتبيانها وهي ثمانية أمور:

1 -1 - ... إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح.

2 -2 - ... تهذيب الأخلاق قال تعالى: - وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ - وفسرت عائشة - لما سئلت عن خلقه - فقالت كان خلقه القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت