الصفحة 16 من 45

يسلك فيه مسلك الإيجاز فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له.

وللعلماء في سلوك هذه الطريقة الثالثة على الإجمال آراء: فأما جماعة منهم فيرون من الحسن التوفيق بين العلوم غير الدينية وآلاتها وبين المعاني القرآنية، ويرون القرآن مشيرا إلى كثير منها.

ولا شك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب تعالى وتقدس لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة ولكن معانيه تطابق الحقائق، وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم وكانت الآية لها اعتلاق بذلك فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر وبمقدار ما ستبلغ إليه. وأما أبو إسحاق الشاطبي فقال في الفصل الثالث من المسألة الرابعة:"لا يصح في مسلك الفهم والإفهام إلا ما يكون عاما لجميع العرب، فلا يُتكلف فوق ما يقدرون عليه".

ورد على الشاطبي في اعتباره الشريعة أمية (1) [17] من ستة وجوه:

الأول اعتباره أن القرآن لم يقصد منه انتقال العرب من حال إلى حال على عكس ما قدمه بان عاشور، قال تعالى: - تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءُ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا -. الثاني أن القرآن معجزة باقية فلا بد أن يكون فيه ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة.

الثالث أن القرآن لا تنقضي عجائبه يعنون معانيه.

الرابع أن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء لا يقضي إلا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لديهم فما زاد على المعاني الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام، وتحجب عنه أقوام، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. السادس أن السلف قد بينوا وفصلوا في علوم عُنُوا بها، ولا يمنعنا ذلك أن نقّفى على آثارهم في علوم أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنية أو لبيان سعة العلوم الإسلامية.

وختم هذه المقدمة بأن علاقة العلوم بالقرآن حسب رأيه على أربع مراتب:

-الأولى: علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم، وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد وأصول العربية والبلاغة.

-... الثانية: علوم تزيد المفسر علما كالحكمة والهيأة وخواص المخلوقات.

-... الثالثة: علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق.

-الرابعة: علوم لا علاقة لها به إما لبطلانها كالزجر والعيافة والميثيولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته كعلم العروض والقوافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت