الصفحة 30 من 45

بلغاءهم أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يتعرض واحد إلى معارضته، ولما سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى: ... - إِنَّ اللهَ يَامُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ - الآية، قال:"والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وما هو بكلام بشر". وذكر أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: - فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ - فسجد وقال: سجدت لفصاحته، يقول ابن عاشور موضع التأثير في هذه الآية هو كلمة اصدع في إبانتها عن الدعوة والجهر بها والشجاعة فيها، وكلمة بما تؤمر في إيجازها وجمعها. وسمع آخر رجلا يقرأ: ... - فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا - فقال أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام.

وحسن التقسيم من المحسنات البديعة، ففي نظم فاتحة الكتاب من خصوصية التقسيم إذ قسم الفاتحة إلى ثلاثة أقسام (1) [24] مع ما تضمنه ذلك التقسيم من محسن التخلص في قوله"فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال"هذا بيني وبين عبدي"إذ كان ذلك مزيجا من القسمين الذي قبله والذي بعده."

وفي القرآن مراعاة التجنيس من غير ما آية، والتجنيس من المحسنات، ومنه قوله تعالى: - وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ -. وفيه التنبيه على محسّن المطابقة كقوله: - فَإِنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ -، والتنبيه على ما فيه من تمثيل كقوله تعالى: ... - وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ - لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ -.

ثم شرح الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور مطولا وجوه الإعجاز في القرآن وأتى على أمثلة متعددة، سوف نأتي عليها قدر المستطاع:

من أفانين الكلام الالتفات وهو نقل الكلام من أحد طرق التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى طريق آخر منها. لأن ذلك التغيير يجدد نشاط السامع إذا انظم إليه اعتبار لطيف يناسب الانتقال إلى ما انتقل إليه صار من أفانين البلاغة، وقد جاء منه في القرآن ما لا يحصى.

وكان للتشبيه والاستعارة عند القوم المكانُ القصى والقدر العلى في باب البلاغة، وقد جاء في القرآن من التشبيه والاستعارة ما أعجز العرب كقوله: - وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا -، وقوله: - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ -، وقوله: ... - وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ -، وقوله تعالى: - اِبْلَعِي مَاءَكِ -، إلى غير ذلك من وجوه البديع. ومن محاسن التشبيه كمال التشبيه والاحتراس، كقوله تعالى: - فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ -، احتراس عن كراهة الطعام - وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى -، احتراس عن أن تتخلله أقذاء من بقايا نحله.

وكذلك التمثيلية في قوله تعالى: ... - أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ - الآية، ففيه إتمام كمال جهات كمال تحسين التشبيه لإظهار أن الحسرة على تلفها أشد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت