الصفحة 32 من 45

أغراضه مجابة للتيسير المصرح به في الآية: - وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرْ -. وقوله: ... - عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ - فقوله ما تيسر يقتضي الاستكثار بقدر التيسُّر.

ومن الكيفيات التي تؤدى بها التراكيب، سكوت المتكلم البليغ في جملة سكوتا خفيفا قد يفيد من التشويق إلى ما يأتي بعده ما يفيد إبهام بعض كلامه ثم تعقيبه ببيانه. وفي القرآن نجد وقوف الشيخ ابن عاشور عند قوله تعالى: ... - ذُلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - أنك إن وقفت على كلمة - رَيْبْ - كان من قبيل إيجاز الحذف أي لا ريب في أنه الكتاب فكانت جملة: - فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ - ابتداء كلام وكان مفاد حرف - فِي - استنزال طائر المعاندين أي إن لم يكن كله هدى فإن فيه هدى. وإن وصلت - فِيهِ - كان من قبيل الإطناب وكان ما بعده مفيدا أن هذا الكتاب كله هدى.

فجاء القرآن بأسلوب في الأدب غض جديد صالح لكل العقول، متفنن إلى أفانين أغراض الحياة كلها معط لكل فن ما يليق به من المعاني والألفاظ واللهجة: فتضمن المحاورة والخطابة والجدل والأمثال والقصص والتوصيف والرواية. وكان لبلاغته وتناسقه نافذ الوصول إلى القلوب حتى وصفوه بالسِّحر والشِّعر.

مبتكرات القرآن

منها أنه جاء بأسلوب يخالف الشعر لا محالة وقد نبه عليه العلماء المتقدمون. ويضيف ابن عاشور على ذلك أن أسلوبه يخالف أسلوب الخطابة بعض المخالفة، وجاء بطريقة كتابٍ يُقصد حفظه وتلاوته، وهو من وجوه إعجازه من ذلك:

-- ... أنه جاء بالجمل الدالة على معان مفيدة

-- ... أن جاء على أسلوب التقسيم والتسوير (سورة) وهي سنة جديدة في الكلام العربي

-- الأسلوب القصصي في حكاية أحوال النعيم والعذاب في الآخرة، وقد كان لذلك تأثير عظيم في نفوس العرب إذ كان فن القصص مفقودا من أدب العربية إلا نادرا. وإذا حكى أقوالا غير عربية صاغ مدلولها في صيغة تبلغ حد الإعجاز بالعربية، وإذا حكى أقوالا عربية تصرف فيها تصرفا يناسب أسلوب المعبر، فالإعجاز الثابت للأقوال المحكية في القرآن هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية. ومن هذا القبيل حكاية الأسماء الواقعة في القصص، فإن القرآن يغيرها إلى ما يناسب حسن مواقعها في الكلام من الفصاحة مثل تغيير شاول إلى طالوت، وتغيير اسم تارح أبي إبراهيم إلى آزر.

-- التمثيل حيث كان في أدب العرب الأمثال وهي حكاية أحوال مرموز لها، إلا أنها لما تداولتها الألسن وطال عليها الأمد نسيت. أما القرآن فقد أوضح الأمثلة وأبدع تركيبها والأمثلة في القرآن عديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت