الصفحة 37 من 45

أشارت إليه الأحاديث الواردة في هذا السياق. ولكن الرأي الذي اعتمده الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور هو استعمال فن وعلوم اللغة العربية وليس برأيه الشخصي.

بما أن اللغة العربية هي لغة القرآن ولسان حاله فكل كلام حول اللغة وما تفيده المعاني المستخرجة منه، فهي تبقى من القرآن ومن اللغة وليس من رأي الكاتب مع زيادة تضلع هذا الأخير في مجاله وتمكنه من اختصاصه -اللغة العربية-، وهو ما دعا إليه الشيخ ابن عاشور. لكي يبقى القرآن غنيا يزيد ولا ينقص ويحتمل كل عصر ليس له حدا لمعانيه، لأن الذي يوقف القرآن على معنى لا يزيد بعده - طبعا سوى الآيات الواضحة التي لا تحتمل معنيين مهما اختلف الزمان وتقدمت اللغة - فهو ليس من أصحاب اللغة العربية وبالتالي ليس من أصحاب القرآن.

كما أن من خصائص القرآن الإعجاز فإن لم يكن في كل عصر من يظهر هذا الإعجاز لأهله فكيف يمكن القول بإعجاز القرآن؟ وإن كنا بعيدين عما يطرحه ابن عاشور من وجوه البلاغة والبيان، فإن ذلك من ضعف ملكة اللغة العربية وتذوقها عندنا، ومن آثار الهجمة الشرسة على اللغة العربية ومعالمها ومحاصرة اللغات الأجنبية لها في بلادنا.

والقرآن معجز في عصرنا بتفاسير علماء هذا العصر، فمن أين للعلماء أن يجددوا الإعجاز في كل عصر إن لم يعن باللغة العربية (البيان والبلاغة والخطابة وغيرها مما تحدث عنه الشيخ ابن عاشور) . ولئن أعجز القرآن جهابذة اللغة وأصحاب الشعر في العصر الجاهلي، فأين المتمكنون من اللغة اليوم أمثال الشيخ ابن عاشور ليعجزوا أصحاب المناهج والمذاهب والتيارات التي يعج بها عالمنا اليوم؟

إننا لسنا بحاجة إلى من يُعجِز الآخرين باللغة وإنما الذي نحن بصدده هو من يمتلك هذه اللغة (1) [31] (وسيلة للإعجاز) لفهم القرآن الكريم ويُخوَّل له أن يعجز الآخرين بغيرها (العلوم الحديثة والاكتشافات العصرية، والأفكار المتجددة والمعتقدات المختلفة، ... ) ؟ ولا شك فإن هذا أسهل وأبسط بكثير ممن تحملوا مشاق الرد والإعجاز حول اللسان العربي (كمادة للإعجاز) .

ليس الإسلام فقط يحاصر في كل مكان، وإنما اللغة العربية المعجِزة كذلك تكاد تذهب من أيدينا، ولا يمكن للأمة أن تتجدد ما لم تمتلك وسائل التجديد في كل عصر وأولها العربية.

نسأل الله أن يحفظ هذه الأمة ويحفظ أبناء المسلمين، ويمكَّن لهذا الدين حتى تُنشر تعاليمه وتقام معالمه.

آمين والسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت