ولم يرتض الآمدي إطلاق الفقه على العلم. فقال: (الأشبه أن الفهم مغاير للعلم; إذ الفهم عبارة عن جودة الذهن من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف بها عالمًا، كالعامي الفطن) (18) .
ولا مانع من إطلاق الفقه على العلم والفهم والفطنة، والكشف عن المعاني الخفية.. والفقيه هو من اتصف بعلم الفقه أو بالاجتهاد، وعرفه البغدادي بأنه: (الضابط لما روى، الفاهم للمعاني، المحسن لرد ما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة) (19) .
ثانيًا: تعريف الملكة الفقهية باعتبارها لقبًا:
الملكة الفقهية: (صفة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها) (20) .. وعرفها ابن النجار الفتوحي بقوله: (أن يكون الفقه عنده سجية وقوة يقتدر بها على التصرف بالجمع والتفريق والترتيب والتصحيح والإفساد) ، ثم قال: (فإن ذلك ملاك الفقه) (21) .. وقد فصل القول فيها بعض المعاصرين حينما قال: (القدرة على النظر في الأدلة، وكيفية استنباط الأحكام منها، حتى لا تكاد تعرض عليه حادثة من الحوادث إلا أمكن أن يعطيها ما يليق بها من الأحكام، فضلًا عن أنه بعد ذلك تطمئن نفسه إلى ما يعمل به من أحكام أو يفتي به غيره، أو يقضي به بين الناس، إذ لا يقدم على ذلك إلا وهو يعلم الدليل على ما أقدم عليه) (22) .
يلاحظ على التعريف الثاني أنه غير شامل، لأنه يقتصر على تخريج الأحكام على الأصول، والترجيح بين الأقوال في المذهب. ويلاحظ على التعريف الثالث أنه شرح تفصيلي لبعض مفردات الملكة الفقهية.. وأما التعريف الأول فهو غير شامل لجميع مفردات الملكة الفقهية، لأنه يقتصر على استنباط الأحكام من الأدلة.
وأما مفردات الملكة الفقهية فهي:
1-فقه النفس: وهي صفة في النفس جبلية تحقق لصاحبها شدة الفهم لمقاصد الكلام (23) ، كالتفريق بين المنطوق والمفهوم، قال السيوطي: (وفقه النفس لا بد منه، وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب) (24) .