وهي تتحقق في الفقيه بالتمكن من حفظ الأقوال المعتمدة في المذهب، وذلك بفهم واضحات المسائل ومشكلاتها، ومعرفة تقييدات المطلقات، ومخصصات عمومات الأحكام، ولكنه لم يدرك مدارك إمام المذهب ومستنداته في فروعه الفقهية إدراكًا متقنًا، بل سمعها من حيث الجملة من غيره من الفقهاء.
فإذا عرضت له واقعة لا يوجد فيها نص، لا يستطيع أن يخرجها على نصوص إمامه إلا إذا كانت واضحة الشبه بالمسألة المنصوص عليها، بحيث يدرك وجه الشبه بالبداهة من غير جهد، وذلك لأن إدراك الشبه الخفي يحتاج إلى الإحاطة بمدارك إمام المذهب ومآخذ الأحكام.
ومن هؤلاء الفقهاء: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (710هـ) الحنفي صاحب كنز الدقائق، وخليل بن إسحق (776هـ) المالكي صاحب مختصر خليل، وإبراهيم بن يوسف الشيرازي (467هـ) الشافعي، صاحب المهذب، وموسى بن أحمد المقدسي الحجاوي (968هـ) الحنبلي صاحب الإقناع.
ويختص صاحب هذه الملكة بالأمور التالية:
1-كونه فقيه النفس.
2-حفظ المعتمد في المذهب وعدم نقل الأقوال المردودة.
3-معرفة تقييدات المطلقات وتخصيص العمومات.
4-تصنيف الكتب التي تعبر عن المذهب وصياغتها صياغة علمية.
سادسًا: ملكة الترجيح بين المذاهب:
وهي تتحقق في الفقيه الذي يتمكن من دراسة آراء الفقهاء في المذاهب المختلفة دراسة مقارنة، بحيث يصور المسألة تصويرًا دقيقًا، ويعرض آراء المذاهب عرضًا صحيحًا، بحيث يعتمد في تقريرها على الكتب المعتمدة في كل مذهب، ويبين أسباب اختلاف الفقهاء فيها، ويذكر الأدلة التي استند إليها كل مذهب، ثم يقوم بتمحيصها وعركها سندًا ومتنًا ودلالة، ويقارن بعضها ببعض، بهدف الوصول إلى الرأي الذي تقويه الأدلة.