الصفحة 53 من 100

يذكرنا جيراننا الإيرانيون بقصة الصياد الذي اغرورقت عيناه بالدمع وهو يذبح عصفورًا بعد اصطياده. كان عصفوران على غصن شجرة يراقبان المشهد. فقال الأول للثاني: انظر إلى دموع الصياد، إنه حزين على أخينا العصفور الجريح! أجاب الثاني: لا تنظر إلى عينيه.. انظر إلى ما تفعل يداه. وهكذا هؤلاء الجيران. يريدون من دول وشعوب المنطقة أن تحكم على سياساتهم من أقوالهم لا مما تفعله أيديهم أو يزخر به واقعهم من معطيات، هي التي توجه في النهاية القرارات والسياسات. لذلك يستطيع جيراننا الإيرانيون أن يهتفوا صباح مساء بأنهم لا يشكلون مصدر تهديد للأمن في الخليج، وأن ينشئوا من أجل ترويج هذه «المعلومة» الخطب السياسية والدينية وافتتاحيات الصحف، وأن يعقدوا حتى مؤتمرات ترتدي مسوح الدراسات والبحوث، علمًا أن دول وشعوب المنطقة تتمنى فعلًا أن لا تشكل إيران مصدر تهديد للأمن في الخليج، وتريد فعلًا أن تصدق ذلك، لكن الأمنيات شيء وواقع الأشياء الإيرانية شيء آخر. يعتد جيراننا الإيرانيون في نفي حديث الخطر على أمن الخليج بالتحول الثوري الذي شهدته إيران قبل عشرين عامًا، ويطرحون عشرات الفروق بين نظام الجمهورية الإسلامية والنظام الشاهنشاهي «المقبور» كما يحبون وصفه. لا شك أن التحول الذي شهدته إيران ضخم، وأن فروقًا عدة وعلى أصعدة عدة حدثت مع ولادة الجمهورية الإسلامية. لكن لا تغير البشر ولا تغير النظم يغير حقائق الجغرافيا ـ السياسية، ولا الموروثات التاريخية ولا العقائد السائدة! وأي دارس لتصورات إيران لمنطقة الخليج في عهدي الإمبراطورية والجمهورية ـ ويمكن الرجوع إلى ما قبل ذلك ـ يكتشف بسهولة أنه لا تغير في هذه التصورات؛ وأنها ذات طبيعة استراتيجية حاكمة، وأن ما يتغير فقط هو أدوات تحقيق التصور ووسائل إنجازه. والتصور الإيراني لمنطقة الخليج هو باختصار أن «الخليج فارسي، وتختص إيران بالدور الرئيسي في تأمينه وأمنه» . وفي إيران قناعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت