فكأن الله أراد أن يقول: اتقوا الله ؛ لأن من تتقونه هو ذاته الله الذي يعلمكم .
فثم من يقول: إن الواو لا تتضمن ترتيبًا بحجة أنها للعطف وليس من معانيها الترتيب كالفاء وهذا صحيح من حيث الأصل ، قال شيخ الإسلام في الفتاوى: (( قد يقال: العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم كما يقال:زرني وأزورك ، وسلم علينا ونسلم عليك ونحو ذلك..إلى أن يقول رحمه الله تعالى: ( (فقوله: (( واتقوا الله ويعلمكم الله قد يكون من هذا الباب فكل من تعليم الرب وتقوى العبد يقارن ذلك ويلازمه ويقتضيه فمتى علمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك ومتى اتقاه زاده من العلم وهلمّ جرًا ) )انتهى )) . ...
والناظر في علم الصحابة..يعلم أن سببه الأعظم بعد شرف استقائهم من معين المعصوم ..الورع والتقوى الفريدان..فلم يكن ابن عباس أو ابن مسعود رضي الله عنهما أو غيرهما من فقهاء السلف يحفظون المتون العلمية والمصنفات الضخمة كما هو حال المتأخرين سوى ما معهم من كتاب وسنة.. ...
وقد قرن الله بين الأمر بالتقوى والأمر بالعلم في غير موضع كقوله )): واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم )) تأكيدًا على المعنى السابق .
(( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء ) ).
قال الإمام أحمد مقتبسًا من نور الآية: (( أصل العلم الخشية ) ).
وقد وصف الله تعالى أنبياءه عليهم الصلاة والسلام فقال: (( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله ) ).
وثبت عن خاتمهم صلى الله عليهم وسلم أنه قال للثلاثة المتنطعين: (( أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له ) )
فليس غريبًا أن تكون الخشية من أخص خصائص ورثتهم الحقيقيين وهم العلماء الربانيون .
والمتأمل في اختصاص ذكر الخشية بالعلماء دون غيرها ؛ يقع على السبب
فلم يقل سبحانه:إنما يرجو الله من عباده العلماء، وما قال:إنما يحب الله من عباده ، ولا غير ذلك .