فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 78

قوله: (على وجه لولاه لكان ثابت) الضمير في قوله (لولاه) يعود على الخطاب الثاني , واسم كان في قوله (لكان ثابتا) هو الحكم , والمعنى: أي لولا الخطاب الثاني لكان الحكم الذي ثبت بالدليل الأول ثابتا.

* لكن لماذا زاد المصنف هذا القيد؟

لأن الحكم قد يكون ثابتًا بخطاب متقدم ويُرفع عن بعض المكلفين لا عن كل المكلفين، فيرفع عن بعض المكلفين إما لعجزه أو لموته، وهذا لا يسمى نسخًا , فمن قُطعت يداه، ولا يستطيع أن يغسلهما في الوضوء، فهل نقول نُسِخ غسل اليدين في حق هذا الإنسان؟ لا , بل نقول: سقط عنه هذا الواجب في الوضوء لتعذُّرِه.

وخرج بقوله: (على وجه لولاه لكان ثابت) ما لو كان الخطاب الأول مُغَيًّا بغاية أو معللا بمعنى وصرح الخطاب الثاني بمقتضى ذلك , فإنه لا يسمى نسخًا للأوَّل.

مثاله: قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} فتحريم البيع مُغَيًّا بانقضاء الجمعة , فلا يقال: إن قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} ناسخ للأول؛ بل بيّن غاية التحريم.

قوله: (مع تراخيه عنه) أي لابد أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ، ولا يجوز أن يقارنه، ولكن لابد أن يكون هناك فاصل بينهما، ولا يلزم أن يكون الفاصل طويلًا، ولا يلزم أن يتَّسع للفعل، ولا يلزم أن يباشر الناس الفعل ثم يُنسخ، بل ربما يأمر الله بالشيء ثم ينسخه قبل فعله، كما أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه، فنسخه قبل أن يفعله.

* فَتَحصَّل عندنا من تعريف المصنف عدة شروط للنسخ:

(1) أن يكون النسخ بخطاب شرعي من قرآن أو سنة.

(2) أن يرفع حكمًا شرعيًا ثابتًا بخطاب من كتاب أو سنة.

(3) ألَّا يكون الخطاب الذي رُفِعَ حكمه مقيدًا بوقت أو مُغَيًّا بغاية.

(4) أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ.

الحكمة من النسخ:

(1) أن أحوال الناس تتغير وتتجدد وبخاصة في بداية عهد الرسالة، والتشريعات تنزل عليهم تباعًا , فما كان يناسبهم ويحتاجون إليه في بداية التشريع ربما بعد اكتمال التشريع أو اقترابه من الكمال لم تعد تلك الأحكام مناسبة لهم، ولم تعد مصلحة في حقهم بعد وجود تشريعات أخرى قد تُزاحم هذا التشريع، وربما تشق على الناس فيأتي نسخ الحكم السابق بحكم لاحق، وهذا أمر ملحوظ كما في آيتي المصابرة، قال الله تعالى في الأولى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} والمعنى: لا يجوز لكم أن تَفِرُّوا إذا كنتم عشرين عن المائتين، فكل واحد ينبغي أن يصمد أمام عشرة، ثم بعد كثرة عدد المسلمين نزل قوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فأوجب عليهم الصمود , كل واحد أمام اثنين من المشركين.

(2) أن الله - عز وجل - يمتَنّ على عباده بالتخفيف عنهم من بعض الأحكام برفعها أو باستبدالها بأحكام أخرى.

(3) أن فيه اختبار وابتلاء للأمة , هل ستسمع وتطيع، إذا غُير الحكم، وبُدَّل ونُسخ أم أن بعضهم يتشكك حينئذ في رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟ فهذا فيه اختبار وابتلاء، وهذا الاختبار تزيد به درجات المؤمنين رفعة عند الله - عز وجل -.

قال المصنف: (وَيَجُوزُ نَسْخُ الرَّسْمِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ وَبَقَاءُ الرَّسْمِ، وَالنَّسْخُ إِلَى بَدَلٍ، وَإِلَى غَيْرِ بَدَلٍ، وَإِلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ، وَإِلَى مَا هُوَ أَخَفُّ) .

بدأ المصنف في بيان أقسام النسخ , فبدأ في بيان انقسامه باعتبار المنسوخ.

أقسام النسخ باعتبار المنسوخ:

(1) نسخ الرسم (التلاوة) وبقاء الحكم: وذلك مثل آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) نسخ لفظها وبقي حكمها ولم ينسخ , والرسول - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزًا والغامدية ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت