قال النبي j: ( إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب؛ الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعَقَدَ الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين (( متفق عليه) وقال: ( الشهر تسعٌ وعشرون - وطبق شعبة يديه ثلاث مرارٍ وكسر الإبهام في الثالثة، قال عقبة: وأحسبه قال: الشهر ثلاثون - وطبق كفَّيه ثلاث مرار (( صحيح مسلم) ، وفيه نفي أنْ يكون الشهر 28 أو 31 يومًا، ومَنْع تثبيت الأشهر القمرية على 29 أو 30 يومًا كما هو الحال في الأشهر الشمسية، حيث قال (الشهر) ولم يقل (الأشهر) ؛ وهو يعني أنَّ الشهر نفسه قد يكون 29 أو 30 يومًا . أمَّا الشطر الأوَّل أو الخبر الأوَّل فيعني أنَّنا أمَّةٌ يغلب فيها عدم الكتابة والحساب؛ لذلك جاء التشريع مناسبًا لهذا الغالب في ذلك الزمن، ويكون المعنَى أيضًا أنَّ التشريع الحكيم جاء مناسبًا لأقصَى درجات الأمِّيَّة في كلِّ زمانٍ ومكان لرفع الحرج عن المكلَّفين؛ فربَط توقيت العبادات بعلاماتٍ يفهمها ويدركها أكثرهم؛ بحركة الشمس وبالفجر الصادق وحمأة العشاء للصلاة والصيام وأعمال الحجِّ وبرؤية الهلال أو الإكمال للأشهر، ويكون المعنَى أيضًا أنَّ أمَّة الإسلام غنيَّةٌ عن الكتابة في حفظ تشريعاتها حيث تكفَّل الله تعالى بحفظها، وغنيَّةٌ عن الحساب في توقيت عباداتها حيث أنَّ التشريع الحكيم وقَّتها بتوقيتٍ لا يرتبط بالحساب، وليس في هذا الخبر دليلٌ يمنع الكتابة والحساب، وليس لازمًا أنْ يكون له فائدة تشريعية لأنَّه جاء للتنبيه والتعليل فقط؛ فنحن أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتب ولا نحسب؛ لذلك لا يجوز تثبيت الشهر على عددٍ محدَّدٍ من الأيَّام يضطرّنا إلى الكتابة والحساب لضبط التوقيت فيعجز عن ذلك كثير من المكلّفين، بل العبرة برؤية الهلال أو الإكمال، وهذا لا يمنع الاستفادة من الحساب في توثيق شهادة الشهود أو ردِّها، وهذا ينقلنا إلى الحديث التالي .