فهرس الكتاب
قال: فلما جنَّ الليل اعتذر إليه الخادم لأجل انقطاع البزر , فدخل بيته وصف قدميه يصلي ويتلو إلى أن طلع الفجر , وكان الشيخ قد خرج ليعرف خبره فوجده يصلي (1) .
ففي هذا الخبر مثل من الاهتمام بالعلم وحفظ الوقت وعدم شغله إلا بالأمور الجدية, فهذا العالم الجليل مشغول طول الليل بالكتابة في العلم , ولما فقد المصباح لم يسترح في فراشه بل عدل إلى العبادة بالصلاة , وكان يرى أن الاشتغال بالعلم أفضل لأن ذلك مما يتعدى نفعه للآخرين, فلما حيل بينه وبين الكتابة عدل إلى صلاة الليل , وكل ذلك عبادة وعمل صالح , وإنما تتفاوت درجات العمل بمقدار كثرة نفعه وإخلاص فاعله .
إن النفوس السامية التي شغلها الهمّ بالمطالب العالية لاتهنأ بلذيد النوم , ولاتجد سعادتها في الراحة , وإنما تجد سعادتها في مواصلة العمل الذي يدفع بها نحو الوصول إلى أهدافها العليا .
من مواقف أبي الوفاء ابن عقيل رحمه الله:
من ذلك ماذكره الحافظ ابن رجب أن أبا الوفاء علي بن عقيل قال في فنونه: قال حنبلي - يعني نفسه - أنا أقْصُر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى أختار سَفَّ الكعك وتَحَسِّيه بالماء على الخبز لأجل مابينهما من تفاوت المضغ توفرًا على مطالعةٍ أو تسطير فائدة لم أدركها فيه (2) .
فهذا مثل بليغ في حفظ الوقت وشغله بما ينفع , وإذا كان هذا العالم وأمثاله يفكرون في اختصار وقت الأكل فإنهم لن يضيعوا أوقاتهم الأخرى بما لافائدة فيه ولاحاجة إليه من نوم أو كلام أو كسل .
من مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية:
اشتهر شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية بقوة الحفظ وسرعة التذكر , فكان وهو يتحدث كأنما يقرأ من عدد من الكتب , وكان يكتب النقول في كثير من مؤلفاته من ذاكرته .
(1) … سير أعلام النبلاء 21/169 .
(2) …طبقات الحنابلة 3/146 .