وإنها لبدء الدعوة، فليختر من صفات (الرب) صفته التي بها معنى البدء بالحياة: (الذي خلق) وليبدأ من الخلق بمرحلة أولية صغيرة: (( خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ) ) [العلق:2] منشأ صغير حقير، ولكن الرب الخالق كريم، كريم جدًا: فقد رفع هذا العلق إلى إنسان كامل، يعلم فيتعلم: (( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ) [العلق:3-5] .
وإنها لنقلة بعيدة بين ذلك المنشأ وهذا المصير، وهي تصور هكذا مفاجأة بلا تدرج وتغفل المراحل التي توالت بين المنشأ والمصير، لتلمس الوجدان الإنساني لمسة قوية في مجال الدعوة الدينية، وفي مجال التأملات الوجدانية، ولقد كان المتوقع أن يعرف الإنسان هذا الفضل العظيم، وأن يشعر بتلك النقلة البعيدة، ولكن: (( كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) ) [العلق:6، 7] .
لقد برزت إذن صورة الإنسان الطاغي الذي نسي منشأه وأبطره الغنى، فالتعقيب التهديدي السريع على بروز هذه الصورة هو: (( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) ) [العلق:8] فإذا رد الأمر إلى نصابه هكذا سريعًا، لم يكن هناك ما يمنع من المضي في حديث الطغيان الإنساني، وإكمال الصورة الأولى: إن هذا الإنسان الذي يطغى ليتجاوز بطغيانه نفسه إلى سواه: (( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ) ) [العلق:9،10] أرأيت؟ إنها لكبيرة وإنها لتبدو أكبر إذا كان هذا العبد على الهدى آمرًا بالتقوى: (( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) ) [العلق:11،12] صلى الله عليه وسلم، فما بال هذا المخلوق الإنساني غافلًا عن كل شيء غفلته عن نشأته ونقلته؟