فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 12

الرقعاء السخفاء سبوا الخالق الرازق جل في علاه، وشتموا الواحد الأحد لا إله إلا هو، فماذا أتوقع أنا وأنت ونحن أهل الحيف والخطأ ، إنك سوف تواجه في حياتك حربًا ضروسًا لا هوادة فيها من النقد الآثم المر، ومن التحطيم المدروس المقصود، ومن الإهانة المتعمدة ما دام أنك تعطي وتبني وتؤثر وتسطع وتلمع، ولن يسكن هؤلاء عنك حتى تتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتفر من هؤلاء، أما وأنت بين أظهرهم فانتظر منهم ما يسوؤك ويبكي عينك، ويدمي مقلتك، ويقض مضجعك .

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

فالناس أعداءٌ له وخصوم

إن الجالس على الأرض لا يسقط، والناس لا يرفسون كلبًا ميتًا، لكنهم يغضبون عليك لأنك فقتهم صلاحًا، أو علمًا، أو أدبًا، أو مالًا، فأنت عندهم مذنب لا توبة لك حتى تترك مواهبك ونعم الله عليك، وتنخلع من كل صفات الحمد، وتنسلخ من كل معاني النبل، وتبقى بليدًا غبيًا، صفرًا محطمًا، مكدودًا , هذا ما يريدون بالضبط .

إذاَ فاصمد لكلام هؤلاء ونقدهم وتشويههم وتحقيرهم"اثبت أحد"وكن كالصخرة الصامتة المهيبة تتكسر عليها حبات البر لتثبت وجودها وقدرتها على البقاء . إنك إن أصغيت لكلام هؤلاء وتفاعلت معه حققت أمنيتهم الغالية في تعكير حياتك وتكدير عمرك ، ألا فاصفح الصفح الجميل، ألا فأعرض عنهم ولا تك في ضيق مما يمكرون . إن نقدهم السخيف ترجمة محترمة لك ، وبقدر وزنك يكون النقد الآثم المفتعل .

إنك لن تستطيع أن تغلق أفواه هؤلاء ولن تستطيع أن تعتقل ألسنتهم لكنك تستطيع أن تدفن نقدهم وتجنيهم بتجافيك لهم، وإهمالك لشأنهم، وإطراحك لأقوالهم (( قل موتوا بغيظكم ) )

ما أبالي أنب بالحزن تيس

أو لحني بظهر غيب لئيم

بل تستطيع أن تصب في أفواههم الخردل بزيادة فضائلك وتربية محاسنك وتقويم اعوجاجك .

إذا محاسني اللاتي أدل بها

كانت عيوبي فقل لي كيف أعتذر

إن كنت تريد أن تكون مقبولًا عند الجميع محبوبًا لدى الكل سليمًا من العيوب عند العالم فقد طلبت مستحيلًا وأملت أملًا بعيدًا .

قال حاتم:

وكلمة حاسدٍ من غير جرم

سمعتُ فقلت مري فانفذيني

وعابوها علي ولم تعبني

ولم يند لها أبدًا جبيني

السبب السادس

لا تنتظر شكرًا من أحد

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

خلق الله العباد ليذكروه ورزق الله الخليقة ليشكروه، فبعد الكثير غيره، وشكر الغالب سواه؛ لأن طبيعة الجحود والنكران والجفاء وكفران النعم غالبة على النفوس، فلا تصدم إذا وجدت هؤلاء قد كفروا جميلك، وأحرقوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العداء، ورموك بمنجنيق الحقد الدفين، لا لشيء إلا لأنك أحسنت إليهم (( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) ).

وطالع سجل العالم المشهود، فإذا في فصوله قصة أب ربى ابنه وغذاه وكساه وأطعمه وسقاه، وأدبه، وعلمه، سهر لينام، وجاع ليشبع، وتعب ليرتاح، فلما طر شاب هذا الابن وقوي ساعده، أصبح لوالده كالكلب العقور، استخفافًا، ازدراءً، مقتًا، عقوقًا، صراخًا، عذابًا وبيلا ً.

ألا فليهدأ الذين احترقت أوراق جميلهم عند منكوسي الفطر، ومحطمي الإرادات، وليهنؤوا بعوض المثوبة عند من لا تنفذ خزائنه .

إن هذا الخطاب الحار لا يدعوك لترك الجميل، وعدم الإحسان للغير، وإنما يوطنك على انتظار الجحود والتنكر لهذا الجميل والإحسان، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون .

اعمل الخير لوجه الله، لأنك الفائز على كل حال، ثم لا يضر غمط من غمطه، ولا جحود من جحده، واحمد الله لأنك المحسن، وهو المسيء، واليد العليا خير من اليد السفلى (( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا ) ).

وقد ذهل كثير من العقلاء من جبلة الجحود عند الغوغاء، وكأنهم ما سمعوا الوحي الجليل وهو ينعي على الصنف عتوه وتمرده (( مر كأن لم يدعنا إلى ضرٍ مسه ) )لا تفاجًا إذا أهديت بليدًا قلمًا فكتب به هجاءك، أو منحت جافيًا عصًا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فشج بها رأسك، هذا هو الأصل عند هذه البشرية المحنطة في كفن الجحود مع باريها جل في علاه، فكيف بها معي ومعك .

أعلمه الرماية كل يوم

فلما اشتد ساعده رماني

السبب السابع

الإحسان إلى الغير انشراح للصدر

الجميل كاسمه، والمعروف كرسمه، والخير كطعمه. أول المستفيدين من إسعاد الناس هم المتفضلون بهذا الإسعاد، يجنون ثمراته عاجلًا في نفوسهم، وأخلاقهم، وضمائرهم، فيجدون الانشراح، والانبساط، والهدوء والسكينة .

فإذا طاف بك طائف من هم أو ألم بك غم فامنح غيرك معروفًا وأسدِ لهم جميلًا تجد الفرج والراحة. أعط محرومًا، انصر مظلومًا، أنقذ مكروبًا، أطعم جائعًا، عد مريضًا، أعن منكوبًا، تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك .

إن فعل الخير كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، وعوائد الخير النفسية عقاقير مباركة تصرف في صيدلية الذين عمرت قلوبهم بالبر والإحسان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت