فهرس الكتاب
يملأ وقتهم، وقد قالوا: إذا خرج الماء من الإناء ملأه الهواء، إذا ففكر في الأمر الذي تهتم له وتغتم، هل يستحق هذا الجهد وهذا العناء، لأنك أعطيته من عقلك ولحمك ودمك وراحتك ووقتك، وهذا غبن في الصفقة وخسارة هائلة ثمنها بخس، وعلماء النفس يقولون أجعل لكل شيء حذا معقولا، وأصدق من هذا قوله تعالى: {قد جعل الله لكل شيئًا قدرا} فاعط القضية حجمها ووزنها وقدرها وإياك والظلم والغلو.
هؤلاء الصحابة الأبرار همهم تحت الشجرة الوفاء بالبيعة، فنالوا رضوان الله ورجل معهم أهمه جمله حتى فاته البيع فكان جزاءه الحرمان والمقت.
فاطرح التوافه والاشتغال بها تجد أن أكثر همومك ذهبت عنك وعدت فرحا مسرورا.
السبب الثامن والعشرون:ارض بما قسم الله لك تكن أخا الناس
مر فيما سبق بعض معاني هذا السبب لكنني أبسطه هنا ليفهم أكثر وهو أن عليك أن تقنع بما قسم لك من جسم ومال وولد وسكن وموهبة، وهذا منطق القرآن {فخذ ما ءاتيتك وكن من الشاكرين } إن غالب علماء السلف وأكثر الجيل الأول كانوا فقراء لم يكن لديهم إعطيات ولا مساكن بهية، ولا مراكب، ولا حشم،ومع ذلك أثروا الحياة وأسعدوا أنفسهم والإنسانية؛ لأنهم وجهوا ما آتاهم الله من خير في سبيله الصحيح فبورك لهم في أعمارهم وأوقاتهم ومواهبهم، ويقابل هذا الصنف المبارك ملاء أعطوا من الأموال والأولاد والنعم، فكانت سبب شقائهم وتعاستهم؛ لأنهم انحرفوا عن الفطرة السوية والمنهج الحق وهذا برهان ساطع على أن الأشياء ليست كل شيء، انظر إلى من حمل شهادات عالمية لكنه نكرة من النكرات في عطاءه ولهمه وأثره، بينما تجد آخرين عندهم علم محدود، وقد جعلوا منه نهرا دافقا بالنفع والإصلاح والعمار.
إن كنت تريد السعادة فارض بصورتك التي ركبك الله فيها، وارض بوضعك الأسرى وصوتك ومستوى فهمك، ودخلك، بل إن بعض المربين الزهاد يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقولون لك: ارض بأقل مما أنت فيه وبدون ما أنت عليه وأنشدوا: