فهرس الكتاب
وهذا ما قد حدث بالفعل، فمن الذي ينكر عظمة مشروع المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، أو مَن من الأدباء يستطيع أن يتعامى عن
وفي غضون بضعة عقود أواخر القرن التاسع عشر كانت الأكاديميات الغربية موئلا لكثير من الباحثين العرب والمسلمين لدراسة اللغة العربية والإسلام نفسه، وصارت دكتوراه السوربون أو دكتوراه الدولة من فرنسا وأكسفورد وهارفارد من إنجلترا تهيؤ صاحبها لتبوئ أعلى المناصب العلمية في جامعات بلاده.
وصار بعض الأكاديميين يتفاخرون أنهم درسوا آداب اللغة العربية في أروقة جامعات أوروبا، والأنكى أن منهم من يزهو أنه درس الحديث أو التاريخ الإسلامي أو سيرة الخلفاء على يد أساتذة الكراسي في الجامعات المسيحية.
لكن المشاهد لكل ذي لب أن الدراسات العربية والإسلامية في تلك الجامعات لا تتم باللغة العربية، كما ندرس مثلا الأدب الإنجليزي باللغة الإنجليزية، بل إن كل الدراسات بما في ذلك البحث الذي يتقدم به الباحث تتم بغير اللغة العربية، لا لشيء إلا لأن المشرفين أعاجم، والمراجع التي يطالب الباحث العربي والمسلم بالرجوع إليها جلها كتبه المستشرقون بلغاتهم الأعجمية.
وهكذا نرى كيف أن حركة الترجمة التي قام بها المستشرقون كان لها دور واسع بعد ذلك في تبوئ الثقافة الغربية منصب المرجعية في العلوم اللغوية العربية والإسلامية أيضا.
ونحن إذا أردنا أن نستعيد المرجعية العلمية للحضارة الإسلامية (في إطار لغتنا وديننا على الأقل) فلابد من القيام بحركة ترجمة واسعة لعلومنا الإسلامية واللغوية بحث نكون - نحن - المتحدثين باسم لغتنا وديننا لا أن يكون وسطاء أعاجم أعلاج هم الناطقون الرسميون باسم الإسلام. [1]
(1) لقد صارت هذه حقيقة لا تخطئها عين، فالمجامع اللغوية أول ما تأسست كانت مغرمة بتعيين المستشرقين أعضاء دائمين في مجالسها، وكان طلبة الأزهر ودار العلوم في هيام بأساتذة الاستشراق الذين يدرسون علوم اللغة والدين بين أروقة جامعة القاهرة والأزهر أمثال ماسينيون وأضرابه.
وكاد المسلمون يتيهون فرحا عندما أعلن ولي عهد بريطانيا - المشهور بفضائحه وفضائح أسرته - أن الإسلام دين متسامح وأنه كان ذا دور مهم في بناء الحضارة الغربية.
بل إن الدوائر السياسية والمراقبين يقيّمون باهتمام إعلان رئيس أمريكا التفريق بين الإرهاب وبين الإسلام الصحيح القائم على التسامح والاعتدال. حتى وصلنا إلى الحال التي فيها يصاغ لنا الدين كيف نفهمه ونتمسك به، فهاهو مؤتمر يعقد في مصر لمناقشة شئون الأقليات المسلمة في دول الغرب، فإذا بالمجتمعين (وكان منهم من غير المسلمين) يشيدون بالأقليات المسلمة التي استطاعت أن تتكيف مع المجتمعات الغربية محتفظة بإسلامها في إطار قوانين تلك الدول. تأمل.
وإن تعجب فاعجب من ملك ينتمي للإسلام وينحدر من النسل المحمدي الشريف ينصح الطالبة المغربية التي تمسكت بحجابها عند دخول المدرسة في فرنسا ألا تتمسك بهذا الحجاب الذي ليس ضروريا في الإسلام وأن تحترم قوانين الدولة التي تتواجد فيها.