بسم الله الرحمن الرحيم
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) } ... [الكهف: 1 - 3]
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه وسار على نهجه إلى يوم الدين.
وبعد فلا يزال القصص القرآني نهرا متدفقا وبحرا فياضا بالعبر والعظات التي نتنسم شذاها ونترسم خطاها، ونقتبس ضياها ونقتدي بهداها، عظة وعبرة وهداية ورحمة وحجج ساطعات وآيات بينات تنطق بصدق هذا الكتاب المبين المنزل من عند رب العالمين، على قلب رسوله الأمين {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) } [يس: 70]
من هذا الروض الباسم أقتطف هذه القصة لنعيش معها لحظات ممتعة.
إنها قصة عجيبة حافلة بالمواقف المضيئة والمشاهد المؤثرة قصة أولئك الفتية الذين خرجوا فارين بدينهم معتصمين بربهم فآواهم المبيت إلى كهف أجمعوا أمرهم على البقاء فيه حتى طلوع النهار، ولم يخطر ببالهم أن نومهم سيطول ويتجاوز ثلاثة قرون، فمكثوا فيه حتى أشرق عليهم فجر جديد، وأطلت عليهم شمس الحرية وأنوار العدالة، بعد أن تعاقبت القرون وتداولت العهود وزال عهد الطغاة.
لقد طال تجوالي بين كتب التفسير أقرأ كل ما تيسر لي قراءته عن أولئك الفتية وأتأمل في قصتهم العجيبة وأجتهد في اقتباس العبر والعظات لكني أيقنت بعد طول تحليق في أجوائها وغوص في أعماقها أنني أمام آفاق رحيبة وبحارٍ عميقةٍ لا ساحل لها وأنهار مطّردة لا تنضب.
وصدق الله عز وجل إذ يقول في هذه السورة الكريمة {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) } [الكهف: 109] .
هذا ولقد تضمَّن هذا البحث مقدمةً، ثم كلمةً حول سياق القصة، ثم جولةً في رحابها، كما استخلصت الفوائد منها.
وقبل أن أنتهي من مقدمتي أتوجه إلى خالقي ومولاي أن يكتب لعملي هذا القبول وأن يرزقني الإخلاص، وأرجو من القارئ الكريم أن لا يحرمني من ملاحظاته وتوجيهاته، وفي