-وإذا كان هناك من يغترّ بالمال أو بالولد فإن هناك من يغترّ بالوعود الكاذبة والأماني الباطلة التي يُمَنّي بها إبليسُ اللعينُ، هذا العدوُّ اللدودُ الذي أظهر عداوته قديما يوم أن امتنع عن السجود لآدم قال تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) } ... [الكهف: 50] ،
-ثم تأتي قصة موسى والخضر عليهما السلام لتبين أن العلم الشرعي عصمةٌ من الفتن، وأن العالِم مهما بلغ من العلم فإن هناك من هو أعلم منه، ومهما أوتينا من العلم فما قيمته وما قدره أمام علم علام الغيوب!
-ثم يضرب الله مثلا لمن لم يغترَّ بفتنة الملك وزينة السلطان، بل وظّف ملكه ووجَّه سلطانَه لنشر الدين ورفع الظلم عن المظلومين ورد الطغاة الباغين، وكان كلَّما جدَّد الله له نعمة جدد لها شكرا، وكلما رفع الله مقامَه زاد تواضعًا.
-مفارقات عجيبة: ندركُها حين نتعايش مع أحداث السورة العجيبة وقصصها المؤثرة: منها أننا أمام ثلاثة ممالك متباينة وأنظمة مختلفة:
* ففي قصة أصحاب الكهف نلمسُ صورة الملك الظالم الذي سلب قومه عقولهم وغصبهم حريّتهم فَأَطَرَهم على الكفر أطْرا، يتبين ذلك من قول الفتية كما أخبر القرآن {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) } .
* وفي قصة موسى والخضر نلمح شخصية الملك الغاصب الذي يسرق أموال رعيته ويسلب ممتلكاتهم فلا يجدُ من يتصدَّى له ويرده عن ظلمه، قال تعالى على لسان الخضر - عليه السلام - {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) } [الكهف: 79] .
* أما ذو القرنين فإنه نموذجٌ رائعٌ للملك الصالح المتعفف الذي مكَّنه الله في الأرض فأقام ميزان العدل والإحسان، وأزال سلطان الكفر والطغيان، وحمل رايةَ الحقِّ ومصابيح الهدى، وعاش الناس في عهده حياةً آمنة مطمئنةً.
فشتان بين عهدينِ: عهدٍ ساد فيه الكفر والفساد، وعهد أشرقت فيه شمس الهداية وأضاءت أنوار العدالة، مملكة كافرة تجعل الكفر لها دستورا وسياجا، ومملكة مؤمنة تجعل الإيمان لها عصمةً ومنهاجا ونورا وسراجا! وبضدها تتبين الأشياء.