فهرس الكتاب
وهي (صبّحهم الجيش) مما يدل على أنّ الفارق الزمني بين توقع الغزو و حدوثه فارق بسيط واقع داخل نطاق الزمان الاول.
ومن النماذج الاخرى لهذا اللون من الاستباق ما يتضح في إحدى أخبار حسان بن ثابت ونبوءته بواقعة (صفين) قبل حدوثها بيوم، يقول الخبر على لسان جماعة ممّن كانوا حضورًا في مجلس حسّان: (( بينا نحن جلوس عند حسّان بن ثابت، وحسّان مضطجع مُسند رجليه ... إذ قال: مه! أما رأيتم ما مرّبكم الساعة؟ قال مالك: قلنا: لا والله، وما هو؟ فقال حسّان: فاختة [1] مرت بكم الساعة بيني وبين فارع فصدمتني ... قلنا: وما هي؟ .. ) ) [2] .
هنا يتنبأ حسّان بحادثة صفين بتمثله بيتٍ من الشعر، اثر رؤيته للحمامة المارّة، قائلًا: ((
ستأتيكم غدوًا أحاديثُ جمّةٌ ... فاصغوا لها آذانكم وتسمّعوا
قال مالك بن أبي عامر: فصبّحنا من الغد حديث صفين .. )) [3] .
وبالفعل يتحقق توقع حسّان بحدوث حربٍ ما، وكانت متمثلة في حرب صفين وذلك في صباح اليوم التالي وهو زمان داخلي لا يتجاوز المحكي الاول او يبتعد عنه زمنًا طويلًا، ولم يكن تنبؤ حسان بواقعة صفين بحد ذاتها وانما كان تنبؤه بقرب وقوعها على وفق ما رآه من تأزم للاحداث وتحشيد للجيش، اذ من غير
(1) - الفاخته: واحدة الفواخت وهي ضرب من الحمام المطوق، ينظر: لسان العرب: 2/ 65، مادة (فخت) .
(2) - الاغاني: 4/ 153.
(3) - الاغاني: 4/ 153 - 154.