فهرس الكتاب
المكان
يُعد عنصر المكان واحدًا من العناصر الأساسية التي يرتكز عليها القصُّ فهو يقفُ الى جانب الزمان ليشكلا معًا البيئة القصصية التي تقع فيها الأحداث وافعال الشخصيات (حركاتها وسكناتها) ومثلما لا يكون هناك قصٌّ بلا زمن، لا يمكن أنْ يكون قصٌّ بلا مكان، إذ لا يمكن لحدثٍ ما أنْ يتمّ في زمنٍ معين من دون أنْ يكون له مكانًا يحتضنه ويضمّه مهما كان حيزه محدودًا.
وقد احتل المكان اهتمام كثيرٍ من الدارسين في شتّى ميادين العلم من فلسفة وأدب وغيرها، فهو ثيمة أساسية لا يمكن التنصّل من دراستها، ولعل قيمة ذلك الاهتمام متأتية من ارتباط الانسان منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها بالمكان، فالانسان وُلد في (مكان) وعاش في (مكان) وستكون نهايته في (مكان) أيضًا وسيبُعث - حسب عقيدتنا كمسلمين - ليكون في (مكان) إمّا جنة أو نار أو بينهما لا غير، فالمكان إذن حاضن للانسان، محتوٍ له منذ اللحظة الاولى وحتى اللحظة الاخيرة، مرتبطًا به غير منفكٍ عنه.
من هنا لا يمكن أنْ نقصرَ المكان على أنّه ابعاد هندسية او مجرد حجوم مادية فحسب [1] ، بل نحن بحاجة الى بعد نظر أكبر من ذلك فالمكان ليس شكلًا مجردًا، إنّه روحٌ تعج بالحياة من خلال ارتباطه الوثيق بالانسان في شتىّ حالاته من فرحٍ وحزن ويرى بلاشار (( إنّ المكان لا يمثلُ صورًا مرسومة كلكلمات بل إنّ المكان ما كان مؤثرًا في مخيلتنا واحاسيسنا ) ) [2] .
ويمثل المكان نظرًا لأهميته محورًا اساسًا تدور عليه نظرية الادب إذ لم يعد ينظر اليه على أنّه مجرد خلفيةٍ تقع فيها الأحداث، ولكن صار ينظر اليه على أنّه
(1) - ينظر: جماليات المكان، اعتدال عثمان، مجلة الاقلام، العدد (2) ، 1986م: 54.
(2) - جماليات المكان، جاستون بلاشار، ترجمة: غالب هلسا، دار الحرية، بغداد، 1980م: 189.