جراءة عجيبة .. وصفقة خاسرة!
عمر بن عبد المجيد البيانوني
قد يعجب الإنسان ممن يسب أخاه أو صديقه ويستنكر عليه ويلومه على ذلك، ويزداد اللوم لمن يسب من هو أعلى منه مكانة وقدرًا كمن يسب أستاذه أو والده فإنَّ هذا يعتبر من دناءة النفس وحقارتها، وقد يهون ذلك أمام ما هو أسوأ منه وأفحش.
فما لا يقبل بحال من الأحوال، ولا يعذر صاحبه أبدا، وتخرُّ له الجبال هدَّا، وجزاؤه أنْ يمدَّ الله له من العذاب مدَّا، هو مَنْ يسب الدِّين الذي شرعه الله عز وجل أو يسب ربَّه وخالقه، فلا أدري ماذا يقال عن هذا؟
الإنسان العاقل عندما يعادي أحدًا أو يعتدي عليه يراعي في ذلك إمكانياته وقدراته حتى لا يدخل في صفقة خاسرة مع مَنْ أساء إليه، فهل لأحد طاقة بقيُّوم السموات والأرض حتى يتجرَّأ عليه بهذه الطريقة؟ وهو القائل في الحديث القدسي (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًَّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ) [1] ، هذا فيمن عادى وليًا من أولياء الله فكيف بمن يسب الذَّات الإلهيَّة ويعادي قيُّوم السموات والأرض؟!
وإذا كان النابغة الذبياني عندما هرب من النعمان بن المنذر ملك الحيرة قال عنه:
فَإِنَّكَ كَالليلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
فماذا عن قدرة الله وإحاطته بعباده الذين قد أحصاهم وعدَّهم عدَّا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ..
وعجبًا لهؤلاء مالهم لا يرجون لله وقارا، وقد خلقهم أطوارا، فماذا لو جاءهم بأسُهُ بياتًا أو نهارا، ألم يروا كم أهلك مِنْ قبلهم ممن عصوه واستكبروا استكبارا، ومالهم لا يقدرون الله حقَّ قدره، فبدلًا من أن يشكروا نعمة اللسان بالتسبيح بحمد الله والتقديس له، يتفوَّه أحدهم بالسبِّ واللعن.
وإذا كان الله الودود قد تكفل لعباده وهو الغني عن العالمين بأن من ذكره وحمده أن يشرِّفه الله عز وجل ويذكره ويكون معه، ففي الحديث القدسي: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ
(1) ـ رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، (6137) .