فهرس الكتاب
ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
ولما اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم سألوه الزاد لهم ولدوابهم، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحمًا وكل بعرة علفًا لدوابكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد لإخوانكم من الجن.
وهذا النهي ثابت عنه من وجوه متعددة، وبذلك احتج العلماء على النهي عن الاستنجاء بذلك، وقالوا: فإذا منع من الاستنجاء بما للجن ولدوابهم، فما أعد للإنس ولدوابهم من الطعام والعلف أولى وأحرى.
ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الإنس والجن وهذا أعظم قدرًا عند الله تعالى من كون الجن سخروا لسليمان عليه السلام فإنهم سخروا له يتصرف فيهم بحكم الملك ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم يأمرهم بما أمر الله به ورسوله لأنه عبد الله ورسوله ومنزلة العبد الرسول فوق منزلة النبي الملك.
وكفار الجن يدخلون النار بالنص والإجماع، وأما مؤمنوهم فجمهور العلماء على أنهم يدخلون الجنة وجمهور العلماء على أن الرسل من الإنس ولم يبعث من الجن رسول. لكن منهم النذر وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. والمقصود هنا أن الجن مع الإنس على أحوال: فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ويأمر الإنس بذلك فهذا من أفضل أولياء الله تعالى وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه. ومن كان يستعمل الجن في [1] أمور مباحة فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك، وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله، مثل النبي الملك مع العبد الرسول: كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد
(1) ليس في وسع أحد أن يستعمل الجن، وكل ما قيل في ذلك فهو من قبيل الخرافات التي لا أصل لها والتي كانت شائعة في عصر المؤلف وما بعده من العصور. والجن لم تسخر إلا لسليمان عليه السلام استجابة لدعائه الذي قصه الله علينا في القرآن الكريم إذ يقول: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35] ، وقد قال تعالى بعد ذلك: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} ، وقد تحدينا كثيرًا من الذين يزعمون أنهم يسخرون الجن فاستبان كذبهم ولازلنا نتحدى كل من يدعي هذه الدعوى الكذوب.