الصفحة 72 من 109

والمؤتفكات وقوم فرعون ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعًا لهواه بغير هدى من الله، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه أن لا يذم أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه، بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم فلا يفرق بين من يفعل معه خيرًا وبين من يفعل معه شرًا وهذا ممتنع طبعًا وعقلًا وشرعًا.

وقد قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] ، وقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35] ، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] ، وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] ، وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] ، أي مهملًا لا يؤمر ولا ينهى.

وقد ثبت في الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «احتج آدم وموسى، قال موسى: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أخلق {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ، قال: بأربعين سنة [قال] : فلم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة؟. قال: فحج آدم موسى» أي غلبه بالحجة.

وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر. وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلًا. ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه أو لأنه كان قد تاب أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى. وكل هذا باطل. ولكن وجه الحديث أن موسى -عليه السلام- لم يلم أباه إلا لأجل المعصية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت