فهرس الكتاب
فأنت تلمس في كل هذه الفرق والأحزاب غلوًا وتطرفًا في ميدان من أهم الميادين التي حرص الإسلام على صيانته من القهر والإكراه ، وأعني به ميدان الجدل الفكري والخلاف المذهبي ، ورسم الإسلام التقاليد لإدارة الحوار واستمرار الجدال مع المخالفين بالتي هي أحسن .
وبينما كانت قعقعة السلاح تدوي بين أطراف الصراع في الأمصار الإسلامية ، كانت هناك جماعة أخرى قبعت في مدينة الرسول بعيدًا عن غبار المعارك ، وجعلت من نفسها كتيبة لحراسة الدين ، وحماية النبع الصافي من الضلال والتشويه ، أولئك هم علماء أهل السنة ، أو أهل الحديث ، أو الجمهور أو السلف الصالح أو أهل الجمود ، كما وصفهم خصومهم ؛ لأنهم رفضوا الانسياق في تيار التأويل ، وتشبثوا بالنصوص ممثلة في القرآن والحديث ، وعكفوا على دراسة التراث الذي تركه فقهاء الصحابة . وفي مسجد الرسول شكلت النواة الأولى لهذا التيار العلمي الذي اجتنب الصراع المذهبي ، وتفرع لدراسة الكتاب والسنة ، وكان قوام النواة المباركة فقهاء المدينة السبعة: عبد الله بن عتبة ، وعروة بن الزبير بن العوام ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وسعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وخارجة ابن زيد بن ثابت ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأنت ترى معظمهم أحفاد فقهاء الصحابة، فورثوا عنهم العلم والفقه والنقاء في فهم الدين والتمسك بالأصلين العتيدين: القرآن والسنة .