فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 73

على مهل راحت تعيد تفاصيل ما جرى لها، باغتتها فكرة أن تنبش في الذاكرة المكتوبة، أخرجت من خزانتها دفترًا نفضت عنه غبار الزمن، فتحت الباب المؤدي إلى الشرفة، قلبت أوراقًا.. صورًا قرأت.. حتى سال دمع عينيها، شعرت بالتعب، وضعت يديها فوق بعضها بحيث تداخلت أصابعها مع بعضها، وضغطت على صدرها الناهد، قشعريرة اجتاحت جسدها.. أحست بألم ذكرها بما كان لها من ليال حميمة، رتلت كلمات أغنية تعشقها، من حنجرة فيروز.. يا جبل لبعيد خلفك.. حبايبنا.. حفرت الكلمات في داخلها، كهذه الصور التي ذكرتها بشبابها، حاولت إعادة الشريط من الذاكرة.. داهمتها حالة عصبية، ورافقها توتر، قذفت الفنجان.. راقبت تحطمه على بلاط الغرفة، قالت لنفسها.. هكذا يتحطم داخلها وتتهشم روحها حتى وصلت إلى هذا الفراغ، الليل يلفها بسواده.. ملل.. تجرحها أسئلتها؟.. من يوقف هذا الضجيج.. من يحاول إلغاء ذاكرتها، راحت تحدث الشرفات.. افتحي صدرك للريح الجديدة.. سرب حمام عبر فوقها، راقبت الفراخ الصغيرة، وهي ترف تحت جناح أمها.. أثارت غريزتها للأمومة.. آه.. يا له من زمن، كم حلمت أن تضم إلى صدرها طفل.. ترضعه حنانها ودفئها، تمنحه محبتها، مسحت عن خدها دمعها، لقد كسر الرجل الذي أحبته حلمها، حين واجهته يومًا بأنها تتمنى أن يكون لها طفلٌ يشبهه، غادرها.. ولم يعد.. كل ما في البيت يذكرها فيه، هنا في هذه الغرفة ارتدت له قميص نومها الأبيض.. وربطت خصرها بشالها الحريري.. أشغل هو شريط عبد الحليم/ والشعر الغجري المجنون يسافر في كل الدنيا../، وراح يلف شعرها على يديه ويردد كلمات الأغنية بمرح شيء ما تحرك داخلها، أحست أنها بحاجة إليه أخذته إلى حضنها شدته بقوة حتى أدهشته، سألها بتعجب ما بك همست إليه بتحبب، أريد طفلًا، تركها تجر خيبتها، ارتدى ملابسه على عجل، ولم يعد.. دارت حول نفسها كما دارت بها الدنيا، امرأة تلفها الوحدة، وتعصف في وجهها الريح، بالأمس كانت النظرات تتعلق بها، وكلمات الغزل.. وهي تبدي تعاليًا لن تكرر تجربة حبيبها، أخذت شالها القديم، تفجرت أوجاعها دفعة واحدة.. شوقًا.. عشقًا.. وأغاني، ما زال صوت عبد الحليم يهيم من حولها، تطويها الغربة خلف ضباب السنين الرمادية، تعيش على هامش الحياة، أشعلت شمعة، انتظرته.. يأتي ليشاركها عيد ميلادها.. شمعة واحدة.. ترمز إلى سنين عمرها، أربعين عامًا من الوجع والأسئلة؟.. غادرت القطارات ألقها الروحي، وضاقت الدنيا بخطواتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت