وتَحْرِيمُ الإِسْبَالِ وَلِبَاس الشُّهْرَة
تاليف الشيخ
بَكر بن عَبْد الله أبَوُ زَيْد
قام بصفه ونشره
أبو علي السلفي
بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الفضيلة الأخ الكريم الشيخ: بكر بن عبد الله أبو زيد. حفظه الله ووفقه آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: قرأت رسالتكم القيمة: (( حد الثوب والأزرة, وتحريم الإسبال ولباس الشهرة ) )فوجدتها رسالة قيِّمة مفيدة وافية في موضوعها, وقد جاءت في وقت تمس الحاجة إليها فيه, حيث برزت مظاهر غريبة في اللباس بين إفراط وتفريط في شأن اللباس إسبالًا وتقصيرًا. وكنت في دروسي أَنهى عن هاتين الظاهرتين خصوصًا الأَخيرة, لأَنها تأخذ طابع التدين والتسنن, وأحث على الالتزام بما عليه المجتمع المسلم, لأنه أَقرب إلى الحق وأَبعد عن مخالفة السنة. فإِذا كان مجتمعنا والحمد لله يسير على وجه موافق للسنة فلا تجوز مخالفته, وهو كون اللباس المعتاد فيه إلى الكعبين. وقد عنَّ لي الفرق بين الإِزار والثوب فوجدت فضيلتكم قد وضحتم ذلك أتم توضيح, مما يزيل اللبس ويصحح الفهم لدى بعض الناس, فجزاكم الله خيرًا على ما بينتم وزادكم علمًا نافعًا وعملًا صالحًا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
أَخوكم:
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
4/ 3 / 1416 هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ, وأَشهدُ أَنَّ لا إِله إِلاَّ الله وحده لا شريكَ له, وأَشهدُ أَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه, (, ورضي الله عن الصحابة والتابعين ومن تَبِعهُم بإِحسان إِلى يوم الدِّين.
أَما بعدُ: فيقول الله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [سورة الأَعراف, الآية:26] . فاللباسُ -وهو من اللُّبْس, أَي: السَّتر- نعمةٌ عظيمة من نِعَم الله الكثيرة, التي امتنَّ بها على عباده, لستر السوآت, أَي: (( العورات ) ), وأَصلُ اشتقاقِ مادةِ: (( عَوَرَ ) )من النقصان والعيب, ومنه كلمة: عوراء, وعينٌ عوراء, لقُبْحِ ظهورها والنظر إليها, ومنه عورة الإِنسان, وهي ما يَقْبُحُ ظهوره ويُسْتَحْيَ منه, ثم زادَ سبحانه في إِنعامه وتكريمه لبني آدمَ بالرياش, وهو ما يتجمل به العبد ظاهرًا, فاللباسُ من الضروريات, والريشُ أَو الرياش من الكمالات والزيادات, لَعَلَّ عبيده يتذكَّرون, فَيُعَظِّمُونَ نعمه, ويتورعون عن القبائح, ومن أَشنعها كشف عوراتهم, المستهجنُ في الطباع, المستقبحُ في العقول, من لدن آدم, وزوجه حواء -عليهما السلام-, قال تعالى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. . .} [سورة الأعراف, الآية:22] . فانظر كيف بادرا مسرعين إِلى أَن يخصفا من ورق الجنة, ويلزقان ورقة ورقة على عورتيهما, طلبًا للستر, وهذا أَمر مغروس في النفوس الإِنسانية, وتقتضيه فطرهم السليمة من الفتون الشيطانية. لكن لم يترك ذلك للفطرة, حتى لا يحتجّ بها عند فسادها ومداخلتها بما يلوثها, ويكدر صفوها, بل جاءت الشريعة بأَحكامه مُفَصَّلَةً, مبينةً, وبينت القَدْرَ الواجب ستره, والمستحبَّ من اللباس, والمحرَّم, والمكروه, والمباح, مادة, ولونًا, ومقدارًا, وكيفية. كل ذلك في دائرة قاعدة الشرع المطهَّر: الاعتدال والوسطية في جميع موارده, ومصادره, وأَوامره, ونواهيه, ومنها: (( اللباس ) )سَوَاءٌ بين رقة الثياب وغِلَظِها, وبين لِيْنِها وَخُشونتها, وبين طُولها وَقِصَرِها, ومن اعتدال المسلم في لِباسه تجنُّبُهُ لباس الشهرة: غَلاءً ورُخَصا, وحُسنًا وقُبحًا, وتَشميرًا وإِرْخَاء. وسَمَتِ الشريعةُ بالمسلم في لباسه إِلى التواضع والمسكنة, واجتناب دواعي الكِبر, والعُجْبِ, والمخيلة, وَدَعَتْهُ بنصوصها إِلى النظافة والتجمُّل, والسمت الصالح, والهيئة الحسنة. وتفاصيل ذلك معلومة في كتب السُّنة المشرَّفة, والذي يعنينا هنا: تذكير المسلم بتحريم الإِسبال ولبس الشهرة وتبصيره بحدِّ الثوب والإِزار من الساق, لأَنه قد تجاسر على: (( الإِسبال ) )كثيرٌ من المترفين ومن المتشبهين بهم, وغلط في حدّ الثوب والإِزار بعض من قلَّ فقههم, وشاط فهمهم, وجعلوا فهومهم المغلوطةَ في السُّنن مشجبًا يعلِّقُونَ عليه: دعوى الإتباع, وتميز المتبعين من العصاة الفسَّاق, وذلك الفهم المغلوط في حد واحد, وهو أَن السُّنةَ قَصْرُ الثياب إِلى أَنصاف الساقين, وأَنَّ من جعلَ الثوبَ إِلى ما فوق الكعبين فهو عاص قد هجرَ السُّنة, وسيتبين لكَ في هذا التحرير أَنَّ جعل الثوب إِلى ما تحت نِصْفِ الساقين وفوق الكعبين سُّنة أَيضًا صحيحة صريحة عن النبي (في آخر الأَمرين من أَمره (, كما سيتبيَّن لكَ إِن شاء الله تعالى الفرقُ بين حدِّ الثوب وحدِّ الإِزار بجامع المحافظة على ستر العورة الواجب سِتْرُهَا, فلا تُقام سُنَّةٌ مع تضييعِ واجبٍ. وإِليكَ البيان: ثَبَتَ في حَدِّ القدْرِ المستحبِّ فيما ينزل إِليه طرف الإِزار من الساق ثلاث سُننٍ عن النبي (:
• الحَدُّ الأَول:
إِلى أَنصافِ السَّاقين, وذلك ثابتٌ من هَدْيِهِ (في إِزاره كما في حديث عثمان بن عفاَّن - رضي الله عنه - قال:(( كانت إِزرة النبي(إِلى أَنصاف ساقيه ) ). [رواه الترمذي في: (( الشمائل ) )] . وعن أَبي جُحيفة - رضي الله عنه - قال: (( رأيت رسول الله(وعليه حُلَّةٌ حمراء, كأَنِّي أَنظُرُ إِلى بريق ساقيه ) ) [متفق عليه] . وثابتٌ من قوله (:(( إِزرة المؤمن إِلى نصف ساقيه ) )من حديث ابن عمر عند مسلم, وحديث جابر بن سليم, والعلاء بن عبد الرحمن, وعمرو بن الشريد - رضي الله عنهم - [أَخرجَ أَحاديثهم جميعًا الإِمام أَحمد في: (( مسنده ) )] . وثابتٌ من أَمره (لبعض الصحابة -رضي الله عنهم- فقد أَمرَ النبي (ابن عمر برفع إِزاره حتى بلغَ أَنصافَ الساقين. [رواه أَحمد] . وأَمر به رجلًا من الأَنصار, وآخر من ثقيف, [كما أَخرجهما أَحمد في:(( مسنده ) )] . وثابت من تأسي الصحابة بالنبي (, منهم: زيدُ ابن أَرقم, وأُسامةُ بن زيد, والبراءُ بن عازب - رضي الله عنهم - [كما رواه الطبراني وهو في: مجمع الزوائد 5/ 126] . وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يتحرَّى ذلك في إِزاره, كما في:(( صحيح مسلم ) ). وكان أَيضًا: أَشدَّ الصحابة - رضي الله عنهم - تشميرًا [كما في: (( المسند ) )] .
• الحَدُّ الثَّاني:
إِلى عَضَلَةِ السَّاقين, وهذا الحدُّ أَعلى من أَنصاف الساقين بقليل, و (( العَضَلَةُ ) )بفتحات: كُلُّ عَصَبَةٍ معها لحمٌ غليظ, وَوَسطُهَا يعلو نصف السَّاق بقليل, وهذا ظاهرٌ. وهذا الحدّ ثابت من حديث أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله (:(( إِزرةُ المؤمنِ إِلى عضلةِ ساقَيْةِ, ثُمَّ إِلى نصفِ ساقيه, ثم إِلى الكعبين, فما كان أَسفل من ذلك فهو في النار ) ) [رواه أَحمد, وأَبو عوانة] . ومن حديث حذيفة - رضي الله عنه - قال: (( أخذ رسول الله (بِعَضَلةِ ساقي, أَو ساقِهِ -هكذا قال إِسحاق- فقال: (( هذا موضعُ الإِزارِ, فإِن أِبيتَ فهذا - وطأطأ قبضةً - فإِن أَبيتَ فهذا - وطأطأ قبضة - فإِن أَبيت فلا حَقَّ للإِزارِ في الكعبين ) ) [رواه أحمد وأَصحاب السنن سوى أَبي داود, وفي معناه حديث عمرو الأَنصاري عند أَحمد وغيره] . ورُويَ عن أَبي هريرة - رضي الله عنه: (( أَن رسول الله(كان يُرى عَضَلَةُ ساقِهِ من تحت إِزارِه إِذا ائتزر ) ) [رواه أحمد, وفي سنده ضعف] .
• الحدُّ الثالثُ:
مَوضِعُهُ ما تحتَ نصفِ الساقين إِلى الكعبينِ. وهذا الموضع ثبت في السننِ جوازه, وأَجمعَ على جوازه المسلمون بلا كراهة, لحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أَبيه, قال: سألت أَبا سعيد الخدري عن الإِزار, قال: على الخبير سقطت: قال رسول الله (:(( إِزرة المؤمن إِلى نصف الساق, ولا حرج, أَو لا جُناح فيما بينه وبين الكعبين. . . ) )الحديث. [رواه أحمد, وأَبو داود, وابن ماجه] . لكن ثبتَ عن النبي (حديثان يُفيدان رفع هذا الحكم من مرتبة الجواز إِلى مرتبة السُّنيِّةُ والاستحباب, فعن أَنس بن مالك - رضي الله عنه - أَن رسول الله (قال:(( الإِزارُ إِلى نصفِ السَّاقِ ) ), فلما رأى شدة ذلك على المسلمين, قال: (( إِلى الكعبين, لا خير فيما أَسفلَ من ذلك ) ) [رواه أحمد بسند صحيح] . وهو صريح بأَن الندب إِليه كان آخر الأَمرين من رسول الله (. والثاني حديثُ أَبي هريرة المتقدِّم بتمامه في:(( الحدِّ الثاني ) )قريبًا, وهو حديث صحيح صريح بأَن كل المواضع الثلاثة في حد الإِزار طولًا: (( إِزرة المؤمن ) )مندوب إليها. وهذا مِنَ التَوْسِعَةِ لهذه الأُمَّةِ, وَتَنوُّعِ العباداتِ من جنسٍ واحد. والله أَعلم.
• وإِذا تبينت هذه المواضع الثلاثة, فاعلم أَنَّها سُنَّةٌ في: (( الإِزار ) )أَمَّا في (( الثوب ) )أَي: (( القميص ) )فَنَصِيبُهُ منها السُّنة الثالثة, وهي: من تحت نصف الساق إِلى الكعبين, وهو مُقَرَّرٌ في مذهب الحنابلة وذلك لما يأتي: وهو أَن سَتْرَ العورة أَصلٌ شرعيٌ لا يجوز التفريطُ به, ولهذا رَخَّصَ النبي (للنساء بإِرخاء ثيابهنَّ تحت الكعبين شبرًا أَو ذراعًا, لستر القدمين, لأَنهما من عورة النساء, وأمر (سلمةَ بن الأَكوع - رضي الله عنه - أَن يزر قميصه -أَي جيبه- حتى لا تُرى عورتُهُ من فتحة قميصه فتبطل صلاتهُ, ولهذا قال الفقهاء في شرط ستر العورة من شروط الصلاة: يجبُ سَتْرُها عن النظر حتى من نفسه, فلو كان عليه قميصٌ -ثوب- واسعٌ الجيب, إِذا ركع أَو سجد رَأَى عورته: لم تصحَّ, وإِن لم يرها. ولهذا ثَبَتَ في الصحيحين:(( إِن كان الثوب واسعًا فالتحف به, وإِن كان ضيقًا فاتزر به ) ). كذلك الرجل إِذا جعلَ طرفَ ثوبه إِلى عضلة الساقين, أَو إِلى أَنصافِ الساقين, ولم يكن عليه: (( سراويل ) ), فإِنَّ الثوبَ ليس مثل الإِزار, إِذْ الإِزار ثابتٌ على النصف الأَسفل من البدن مِنَ السُرَّة فما دون, فلا يرتفع عند الركوع والسجود, أَمَّا الثوب, فإِذا كان طوله وطرفه إِلى عضلة الساقين, أَو إِلى أَنصاف الساقين, فإِنَّه مع الركوع والسجود تحمله الكتفان والظَّهر, فِيَنْجَرُّ إِلى أَعْلى, ويكون كشف مؤخرة الفخذ مئنةً, أَو مظنةً قويةً لانكشاف العورة, ولو انكشفت عورتُه وهو يصلي لبطلت صلاتُه, كما يحرمُ كَشْفُها أَمام الآخرين. ولهذا لما قال البهُوتي الحنبلي - رحمه الله تعالى: (( ويُكره كون ثيابه فوق نصف ساقه ) )قال ابن قاسم رحمه الله تعالى في (( حاشيته ) ): (( لأن ما فوقه مجلبةٌ لانكشاف العورة غالبًا, وإِشهارٌ لنفسه, ويتأذَّى الساقان بحرٍ أَو برد, فينبغي كونهُ من نصفه إِلى الكعب, لبُعْدِهِ من النَّجاسةِ, والزهوِ, والإِعجابِ ) )انتهى. قال السفاريني - رحمه الله تعالى - في: (( غذاء الأَلباب: 2/ 215 ) ): (( وقال أَبو بكر عبد العزيز - أَي: غلام الخلال: يُستحب أَن يكون قميص الرجل إِلى الكعبين [1] , وإِلى شراك النعل [2] , وهو الذي في (( المستوعب ) )وطول الإِزار إِلى مَراقِّ [3] الساقين, وقيل: إِلى الكعبين )) انتهى. وفي صحيح البخاري وسنن أَبي داود عن عمرو بن سلمة, قال: كنت أَؤمُّهُم وعَلَيَّ بُرْدَةٌ صغيرة, فكُنت إِذا سَجدت تَقَلَّصَتْ عَنِّي, فقالت امرأة: واروا عنَّا سوأةَ قارئكم, فَاشْتَرَوْا, فقطعوا لي قميصًا فما فَرِحْتُ بشيء فرحي بذلك القميص )) [رواه البخاري في: (( المغازي ) )من (( صحيحه ) )] . وقوله: تَقَلَّصَت: أَي: انجمعت وارتفعت, كما في رواية أَحمد, وأَبي داود: (( تَكَّشَّفَتْ عني ) )وفي رواية: كانت البردةُ موصولةً, فيها فتق. ومن المعلوم أَنَّه لا يقول أَحدٌ بوجوب لبس: (( السراويل ) )حتى يأتي المسلمُ بِسُنَّةِ تقصير ثوبه إِلى عضلة ساقه, أَو نصف ساقه, إِذْ السُّنَّةُ لا تستلزم الواجب, وإِنَّما القاعدة: أَن ما لا يتم الواجبُ إِلاَّ به فهو واجبٌ. إِذا كان الحال كذلك, فإِنَّ ستر العورة واجبٌ, ومن المنظور المشاهد أَنَّ من قَصَّرَ ثوبه إِلى عضلة ساقه, أَو إِلى نصفه, وليس عليه سراويل, أَو كان عليه تُبَّانٌ قصيرٌ إِلى أَنصاف الفخذين مثلًا, فإِنَّها تنكشف عَوْرَتُهُ, ولهذا فَلاَ يُسَنُّ تقصيرُ الثوب إِلى عضلة الساق, ولا إِلى نصف الساق, وهذا بخلاف الإِزار, إِضافة إِلى حُسن الهيئة مطلب شرعي, فالإِزار إِلى عضلة الساق, أَو نصفه, مع الرداء, لباس في غاية التناسب, وحُسن اللبسة, وفي (( الثوب ) )ليس كذلك, مع تأديته إلى كشف العورة. والله سبحانه قد أَمرَ بقدرٍ زائدٍ في الصلاة على ستر العورة. وهو: أَخذ الزينة, فقال سبحانه: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [سورة الأعراف, الآية:31] . فَعَلَّق الأَمَر باسم الزينة لاَ بِسَتْرِ العورة, إِيذانًا بأَن العبدَ ينبغي له أَن يلبسَ أَزيَنَ ثيابه وأَجْمَلَهَا في الصلاةِ, للوقوفِ بينَ يديه تباركَ وتعالى والتذللِ له, والخضوع لجلاله.
ولهذا والله أَعلم فإِنَّ أَلفاظ الروايات بجعل الإِزار إِلى عضلة الساقين أَو إِلى أَنصاف الساقين, كلها بلفظ: (( الإِزار ) )ولم أَقف على شيء منها بلفظ: (( الثوب ) ), فَلْنَقِفْ بالنَّص على لفظه, ومورده, وأَما فيما تحت نصف الساق ففي بعض أَلفاظها إِطلاقٌ, يشملُ الإِزار, والثوب وغيرهما. وهذه الحدودُ الثلاثةُ الشرعيةُ لموضع طول (( الإِزار ) ), والحدُّ الشرعيُّ لموضعِ طول (( الثوب ) )تَعْنِي التَشْمِيرَ, المستحبَّ شَرْعًا, وقد كانت العرب تمدح تشميرَ الإِزار, ومنه قول مُتَمِّم بن نُوَيْرَة في رثاء أَخيه مالك بن نويرة:
تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى ** وَلَيْسَ عَلَى الكَعْبَيْنِ مِنْ ثَوْبِهِ فَضْلُ
وتَتِمُّةُ الشواهدِ العربية في: (( التمهيد: 20/ 228 ) )و (( الاستذكار: 26/ 189 ) ). لابن عبد البر - رحمه الله تعالى -.
• هذه هي الحدود المشروعة لأَطراف الإِزار والثوب من الساق, وما سوى هذه المواضع الثلاثة, فَلاَ حَظَّ لها في الشرع المطهر من طَرَفِ الإِزار, وقد دَلَّت النصوص على أَنَّ لها أَربع حالات: ثلاث حكمها: التحريم, وواحدة حُكمها: الكراهة, وجميعا تدور بين الإِفراط والغلو في (( التشمير ) ), والتفريط في (( الإِسبال ) ), وهذا بيانها وَصْفًا, وحُكْمًا:
• حالتان فوق عَضَلة الساق, هما: حالة كراهة, وهي حالة الغلو في التشمير للإِزار إِلى ما فوق عضلة الساق, ودون الركبة.
• وحالة تحريم, وهي ما بدت فيها العورة, وستر العورة من السُّرة إِلى الركبة من أَوجب الواجبات, وإِنَّ من المُنكر العظيم, كشف العورة, فيا لله كَمْ كشفها - لا سيما ما انتشر من كشف الفخذين - من الوقاحة, وصفاقة الوجه, وانتزاع الحياء, ومبارزة لله بمعصيته, نعوذ بالله من تَلُوُّثِ الفِطْرَةِ, ورِقَّةِ الدِّينِ. وكما يحرُم فعلُ ذلك, فإِنَّه يحرُم النظرُ إِلى عورةٍ مكشوفةٍ, وما داخل المسلمين من كشف الفخذين, ومشاهدة الناس لهم, هتكٌ متتابعٌ لحُرُماتِ الشريعة, لا يجوز حضورها, ولا مشاهدتها, ويجب على من بسط الله يده, تغيير هذه المنكرات, ورعايةُ الحرمات, والرحمة بالمسلمين من مراغمتهم عليها.
• وحالتان فيما تحت الحدِّ الأَقصى لأَطراف اللباس: من تحت حده بنصف الساق إِلى الكعبين, وهما:
1 -تغطيةُ الكعبين بالإِزار, وقد ثبت عن النبي (أَنَّه ليس للكعبين حق في الإِزار, كما تقدَّم في حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -. و(( الكعبان ) ): هما العظمان الناتئان في جانبي مَفْصلِ الساق من القدم, وهما حَدُّ غَسْلِ الرجلين في الوضوء. وهذا والله أَعلم من باب تحريم الوسائل, الموصلة إِلى المُحَرَّم, تحريم غاية: (( الإِسبال ) ). ونظائره في الشريعة كثيرة, ساق ابن القيم -رحمه الله تعالى- منها جملةً في: (( روضة المحبين ) )و (( إِعلام الموقعين ) ), وهكذا إِذا حُرِّمَ شيء حُرِّمت الأَسبابُ المُفْضِيَةُ إِليه, وفي: (( التوحيد ) )مسائل لحِمَايَةِ التوحيد, وأُخرى لحماية حِمى التوحيد. والله أَعلم.
2 -تحريمُ ما نزلَ عن الكعبين من كُلِّ ما يُلبسُ من إِزارٍ, أَو ثوبٍ, أَو حلَّةٍ, أَو كساءٍ, أَو عباءةٍ, أَو سراويلَ, إِلى غير ذلك مما يلبسه الرجال, وعلى عموم النهي جاءت فتوى ابن عمر - رضي الله عنهما - في قوله: (( ما قال رسول الله(في الإِزار فهو في القميص ) ). [رواه أَبو داود] . أَي في: النهي عن الإِسبال في الإِزار, والقميص, والعمامة, ونحوها, وفَتْواهُ هذه هي في معنى حديثه المرفوع, أَن رسول الله (قال:(( الإِسبالُ في الإِزارِ, والقميص, والعمامة, مَنْ جَرَّ منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إِليه يوم القيامة ) ) [رواه أَبو داود وغيره] . وهذا هو: (( الإِسبالُ ) )المنهيُّ عنه شرعًا من وجوه عدة, ويسميه أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (( فضول الثياب ) ), وقال: (( فضولُ الثيابِ في النار ) ) [ذكره ابن عبد البر في: (( الاستذكار ) ): 26/ 188] . وهو أَحد الأَقوال الثمانية في تفسير قول الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [سورة المدثر, الآية:4] . أَي: وثيابك فَشَمِّر وَقَصِّر, فإِن تقصيرَ الثياب أَبعد من النجاسة, فإِذا انْجَرَّتْ على الأَرض لم يُؤْمَن أَن يصيبَها ما يُنَجِّسُها, وقيل: وثيابك فأَنْقِ, ومنه قولُ امريء القيس:
ثيابُ بني عوف طَهَارَى نَقِيَّة ** وأَوْجُهُهُمْ بِيْضُ المَسَافر غُرَّانُ
وحقِيقَته: إِرسالُ اللباس وإِطالتهُ وإِرخاؤه تحت الكعبين, وتعريضُه لجَرِّ طرفه على الأَرض إِذا مشى. وأَحاديثُ النهيِ عن الإِسبال بَلَغَتْ مبلغَ التواترِ المعنوي, في الصحاح, والسننِ, والمسانيدِ, وغيرها, بروايةِ جماعةٍ من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم: العَبادِلَةُ هنا: ابن عباس, وابن عمر, وابن مسعود, وأَبو هريرة, وأَنس, وأَبو ذر, وعائشة, وهُبَيْب بن مُغَفَّل الأَنصاري, وأَبو سعيد الخدري, وحذيفة بن اليمان, والمغيرة بن شعبة, وسمرة بن جُندب, وسفيانُ بنُ سهلٍ, وأَبو أُمامةَ, وعُبيدُ بنُ خالدٍ, وأَبو جري الهجيميّ: جابرُ بنُ سليم, وابْنُ الحَنظْلِيَّةِ, وعمرو ابن الشريد, وعمرو بنُ زرارةَ, وعمرو بنُ فلانٍ الأَنصاريُّ, وخزيم بنُ فاتك الأَسديُّ - رضي الله عنهم أَجمعين - وجميعُها تفيدُ النهيَ الصريحَ نهيَ تحريم, لما فيها من الوعيد الشديد, ومعلومٌ أَنَّ كُلَّ مُتَوَعد عليه بعقاب من نار, أَو غضب, أَو نحوها, فهو محرَّمٌ, وهو كبيرةٌ, ولا يقبلُ النسخَ, ولا رفعَ حُكْمِه, بل هو من الأَحكامِ الشرعيةِ المُؤبَّدةِ في التحريمِ, و (( الإِسبالُ ) )هنا كذلك, لوجوه:
1 -مخالفةُ السُّنة.
2 -ارتكابُ النهيِ.
3 -الإِسرافُ, وهذا ضياعٌ لتدبير المال. ولهذا أَمرَ عمرُ -رضي الله عنه- ابنَ أَخيه برفعِ إِزاره, وقال له: (( هو أَبقى لثوبك, وأَتقى لربك ) ).
4 -المَخِيْلَةُ, والخيلاءُ, والتَّبَخْتُرُ, وهذا ضياعٌ مضِرٌّ بالدِّين, يورثُ في النَّفس: العُجْبَ, والترفع, والفَخْرَ, والكِبْرَ, والزَّهْوَ, والأَشَرَ, والبَطَر, ونسيانَ نعمة الله سبحانه على عبده, وكلُّ هذا من موجباتِ مَقْتِ للمُسْبِلِ, ومقتِ الناسِ له, و {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [سورة لقمان, الآية:18] . و {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [سورة النحل, الآية:23] . والدار الآخرة كما قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة القصص, الآية:83] .
5 -التَّشبُّهُ بالنِّساءِ.
6 -تعريضُ المَلْبْوس للنجاسة, والقَذَر, ومسح مواطئ القَدم.
7 -لِشِدَّةِ تأثير الإِسبال على نفس المسبل وما لكسب القلب من حالة وهيئة منافية للعبودية, منافاة ظاهرة, أَمر النبي (المسبلَ بإِعادة الوضوء, وأَن الله لا يقبل مسبل, وحملَ الفقهاء ذلك الحديث على الإِثم مع صحة الصلاة, كحال فيمن صلى في كل ثوب يحرم لبسه, وفي الدار المغصوبة, وكما في تحريم آنية الذهب والفضة اتخاذًا, واستعمالًا, وتحريم الوضوء منهما, خلافًا لابن حزم, ومذهب أَحمد, القائل ببطلان وضوء المسبل وصلاته, وأَنَّ عليه الإِعادة لهما غير مسبل, نعم: لا يصلي المسلم خلف مسبل اختيارًا.
8 -يُعَرِّضُ المُسْبِلُ نَفْسَهُ للوعيد الشديد في الدُّنيا والآخرة, إِذْ يُكْسِبُهُ الإِثمَ, والخَسْفَ بالمسبل, وأَن الله لا يحبُّ المُسْبِلِينَ, ولا ينظرُ الله إِلى مسبل, وليسَ المسبلُ من الله في حِلٍّ ولا حرامٍ, أَي لا يُبَالِهِ اللهُ بالَهُ, وأَن المسبل وما أَسبل متوعد بالنار, على حدِّ قول الله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [سورة الأنبياء, الآية:98] , وقيل: معنى الحديث: (( ما أَسفلَ الكعبينِ مِنَ الإِزارِ ففي النارِ ) )أَي مِنْ قدم المسبل ففي النار عقوبةً له على فِعْلِهِ.
• لهذه الوجوه وردَ النهيُ عن الإِسبالِ مُطْلقًا في حَقِّ الرجال, وهذا بإِجماعِ المسلمين, وهو كبيرةٌ إِن كان للخيلاء, فإِن كان لغيرِ الخيلاءِ فهو محرَّمٌ مذمومٌ في أَصَحِّ قولي العلماء, والخلاف للإِمام الشافعي والشافعية في أَنه إِذا لم يكن للخيلاء فهو مكروه كراهة تَنْزِيهٍ, على أَنَّه قد ثَبَتَ عن النبيِّ (يقضي بأَن مُجَرَّدَ الإِسبال:(( خيلاء ) ), فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا: (( وإِيَّاك وَجَرَّ الإِزار فإِنَّ جَرَّ الإِزار من المخيلة ) ) [رواه ابن منيع في: (( مسنده ) )] , وعن أَبي جري الهجيمي جابر بن سليم, مرفوعًا: (( وإِيَّاكَ والإِسبالَ فإِنَّه من المخيلة ) ) [رواه أحمد في: (( المسند ) )] . فظاهرهما يَدُلُّ على أَن مجرد الجر, يستلزم الخيلاء, ولو لم يقصد اللابسُ ذلك, فالمسلم ممنوع منه لكونه مظنة الخيلاء, ولو كان النهي مقصورًا على قاصد الخيلاء غير مطلق, لما ساغ نهي المسلمين عن منكر الإِسبال مطلقًا, لأَن قَصْدَ الخيلاء من أَعمال القلوب, لكن ثبت الإِنكار على المسبل إِسباله دون الالتفات إِلى قصده, ولهذا أَنكر (على المسبل إِسباله دون النظر في قصده الخيلاء أَم لا, فقد أَنكرَ (على ابن عمر - رضي الله عنهما -, وأَنكرَ على جابر بن سليم, وعلى رجل من ثقيف, وعلى: عمرو الأَنصاري, فرفعوا - رضي الله عنهم - أُزُرَهُمْ إِلى أَنصاف سُوقِهِمْ.
وهذا يَدُلُّكَ بوضوح على أَن الوصفَ بالخيلاء, وتَقْيِيدَ النهي به في بعض الأَحاديث, إِنَّما خَرَجَ مخرجَ الغالب, والقيد إِذا خرجَ مخرج الأَغلب, فإِنَّه لا مفهوم له عند عامة الأُصوليين, كما في قوله الله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [سورة النساء, الآية:23] . فاَسْتَقَرَّ بهذه التوجيهات السليمة ولله الحمدُ أَنَّ الإِسْبالَ في حقِّ الرجال مَنْهِيٌّ عنه مُطْلقًا, وأَنَّه في ذاته خيلاء, وأَن المسبل مرتكب لِمُحَرَّمٍ, مجاهرٌ به, مُعَرِّضٌ نَفْسَهُ لما ورد من الوعيد للمسبلين.
• ويُستثنى من هذا الأَصل ثلاث حالات:
1 -من لم يقصد الإِسبال, لعارض من نسيان, أَو استعجال, أَو فزع, أَو حال غضب, أَو استرخاء مع تعاهد له برفعه, كما في قصة استرخاء إِزار أَبي بكر -رضي الله عنه-, إِذ كان يسترخي لنحافة جِسْمِهِ -رضي الله عنه- فَيَنْجَرُّ فيتعاهده برفعه, فهو - رضي الله عنه - لم يقصد الإِسبال, فضلًا عن الخيلاء, ولهذا قال له (:(( لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خيلاء ) ). وكما في بعضِ الوقائعِ للنبي (المشهورةِ في السنن, وهي من هذا الباب.
2 -للضرورةِ مقدرةً بقدرها, كمن أَسبلَ إِزارهُ على قدميه لمرض فيهما, ونحوه, وهذا كالترخيص في لُبْسِ الحرير للحَكَّةِ, وكشفِ العورةِ للتداوي, والخيلاء في الحرب, ونحوها.
3 -استثناء النساء, فقد رَخَّصَ النبي (لَهُنَّ بإِرخاء ذيول ثيابهن شبرًا, استحبابًا, لستر القدمين, وهما من عورة النساء, فإِن كانتا تنكشفان فيرخين ذراعًا, جوازًا. وهذا مَحَلُّ إِجماعٍ. وَجَرُّ المرأة ذيل ثيابها, لستر أَقدامها, كان معروفًا عند نساء العرب, ومنه قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
كُتِبَ القَتْلُ وَالقِتَال عَلَيْنَا ** وَعَلَى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُول
وذكرَ ابن عبد البر في: (( الاستذكار: 26/ 92 - 193 ) )أَنَّ أَوَّلَ امرأة جَرَّت ذيلها: هاجر أُم إِسماعيل - عليه السلام -. وَلَمَّا كانت الرُّخصة تستلزم التوسعة, خَصَّها الشرع بأَن ثوبها, يُطهر ما بعده بخلاف الرجل, ولا أَثر لإِسبالها على وضوئها, ولا على صلاتها.
• هذه مجامع القول في: (( الإِسبال ) )تأصيلًا, وتفريعًا, وحكمة, وأَحكامًا, ولا يشتبه عليك بحديث نهي النبي (عن السَّدْلِ في الصلاة ) ) [رواه أَبو داود من حديث أَبي هريرة رضي الله عنه, قال ابن مفلح: (( إِسناده جيد, لم يضعفه أَحد ) )] . وفي معناه عن أَبي عطيةَ الوادعي, وعوف ابن أَبي جُحيفة, [أَخرجها الترمذي, والبيهقي في: (( السنن الكبرى ) )] , فإِنَّ (( السَّدْل ) )خلافُ: (( الإِسبال ) )مع قوة الخلافِ في أَن السدل يَشْملُ الإِسبال وفي معناه المذكور وفي حُكْمِه خلاف [كما في المغني 1/ 584 - 585] وقد عرفتَ حقيقته, أَما (( السدل ) )فهو: أَن يلتحف بثوبٍ, ويدخل يديه من داخل, فيركع, ويسجد, وهو كذلك, وكانت اليهود تفعله, فَنُهي المسلمونَ عن ذلك, هكذا قال ابنُ الأَثير. وقال البيهقيُّ: (( والسَّدْلُ: إِرسال الرجل ثوبه من غير أَن يضم جانبيه بين يديه, فإِن ضَمَّهُ فليس سَدْلًا ) )انتهى.
والمنصوص عن الإِمام أَحمد - رحمه الله تعالى - أَن السَّدْل: هو طرح ثوب على كتفيه, ولا يرد طرفه الآخر. واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-, وإِعادة الصلاة للسادل من مفردات مذهب الإِمام أَحمد - رحمه الله تعالى -. وبه تعلم أَن من يلبس (( العباءة ) )أَي: (( المِشْلَح ) )فيرسله من جانبيه دون أَن يدخل يديه في كُمَّيْه, فيضمه, أَو يضم جانبيه, أَن هذا من السدل المنهي عنه, وهو مُشاهَدٌ من عمل الروافض, ولدى بعض المترفين من المسلمين.
• والخلاصة: الزموا رحمكم الله سنة نبيكم بجعل الإِزار إِلى عَضَلَة الساقين, أَو إِلى أَنصاف الساقين, أَو دونهما إِلى الكعبين, فالكل سنة ثابتة عن النبي (في الإِزار على حدٍّ سواء, وَأَمَّا في:(( الثوب ) )فالسُّنة فيه طولًا: إِلى ما تحت أَنصاف الساقين إِلى الكعبين, والسنة أَطيب للمسلم, وأَنظف, وأَطهر, وأَبقى لثوبه, وأَتقى لربه, وأَطوع لله ولرسوله (, ولا تلتفتوا إِلى المخذلين, ولا تُقِيْمُوا وَزْنًا للمستهزئين بإِقامة السُّنة والعمل بها, مُجتنبين الغلط في فهم السنن, والغلو في تطبيقها المتجاوز عن حد المشروع, فهذا لعمرو الله من(( زَبَدِ الصحوة ) )ومن زبدها هنا: قصد اللابس التَّسنُّن بإِرخاء السراويل, وجعل الثوب أَقصر منها بقليل, فهذا تَسَنُّنٌ لا أَصل له في الشرع, ولا أَثارة من علم تدل عليه. واحذروا عباد الله الإِفراط, واحذروا التفريط, وابتعدوا عن لباس الشهرة, تشميرًا, وإِرخاءً, وحافظوا على ستر عوراتكم من السُّرَّةِ إِلى الرُّكبة, واحذروا الوقوع في معصية الإِسبال أَسفل الكعبين, واعلموا أَنه لا حق للكعبين في فضول وأَطراف اللباس من إِزار, وثوب, وعباءة, ونحوها.
وراعوا حسن الهيئة, وتناسب اللباس, وما جرى من الأَعراف التي لا تخالف الشرع المطَّهر وهذا أَصل شرعي يفيد أَمرين:
• الأَول: مراعاة المعتاد في اللباس في عرف أَهل البلادِ مما لا يخالف الشرع, ولهذا: (( نقل القاضي عياض عن العلماء: أَن الإِسبال: كل ما زاد على المعتاد في اللباس في الطول والسعة ) ). وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى: (( وكان هديه(في اللباس مما يسره الله في بلده فكان يلبس القميص, والعمامة, والإِزار, والرداء, والجبة, والفروج, ويلبس من القطن, والصوف, وغير ذلك, ويلبس مما يُجلب من اليمن وغيرها, فَسُنَّتهُ تقتضي أَن يلبس الرجل مِمَّا يَسَّرَهُ الله ببلده, وإِن كان نفيسًا, لأَن النفاسة بالصنعة لا في الجنس, بخلاف الحرير, وهذا أَمر مجمع عليه. وقال ابن عقيل: لا ينبغي الخروج عن عادات الناس إِلاَّ في الحرام ) )انتهى. وقال ابن عبد القوي - رحمه الله تعالى - في: (( منظومة الآداب ) ):
وَيُكْرَهُ لُبْسٌ فِيْهِ شُهْرَة لاَبِسٍ ** وَوَاصِفُ جِلْدٍ لاَ لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ
وقد أَفاض السفاريني في شرحه في: (( غذاء الأَلباب: 2/ 161 - 165 ) )وكان مِمَّا ذَكَرَهُ: (( شهرة لابس: له بمخالفة زِيِّ بلده, ونحو ذلك. . . ولأَن لباس الشهرة ربما يزري بصاحبه, وينقص مرؤته, ثم ذكرَ عن كتاب: (( الغُنْيَة ) )للجيلاني, قوله: (( مِنَ اللِّباسِ المُنزَّه عنه كل لبسة يكون بها مُشتهرًا بين الناس, كالخروج من عادة بلده, وعشيرته, فينبغي أَن يلبس ما يلبسون, لئلا يُشار إِليه بالأَصابع, ويكون ذلك سببًا إِلى حملهم على
(1) الذي عليه عامة أَهل اللغة, ويقرره المفسرون في آية المائدة, في الوضوء: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} وبه يقول عامة الفقهاء, أَن المراد بالكعبين في الحقيقتين: اللغوية, والشرعية, هما: العظمان الناتئان في الجانبين لمفصل الساق من القدم.
(2) هذا بناء على القول المرجوح من أَن المراد بالكعبين: العظمان, الناتئان في وجه القدم, كما في (( أَحكام القرآن لابن العربي: 2/ 580 ) )فلا يلتفت إِليه. أما القول المرذول, المرفوض لغة, وشرعًا فهو القول بأَن المراد بالكعبين, العظمان في ظهر القدم. وهو للرافضة, ولهذا صار فرض غسل القدمين عندهم في الوضوء إِلى أَصل أَصابع القدمين فيها؟.
(3) في: (( المستوعب ) ): (( مَدَاقُّ - بالدال - الساقين ) )فلعلها تحريف, صوابها: (( مَرَاقُّ ) )بِالرَّاء, كما في قولهم: (( مراق البطن ) )أي: مارق منه وَلأَنَ. جمع (( مرق ) )أولا واحد لها, كما في مادة: (( رَقَقَ) من: (( القاموس ) ).