ولأن هذا الشاب يدرك أنه قد يصاب بالإغماء أو السقوط لفترة ما ، خشي على نفسه من أن يقع أمام من ذهب لزيارتهم ، فيصاب بالقلق أو الإحراج النفسي ، فعزم على العودة إلى الأحساء فور وصوله ، وأحس من حوله بضيق في صدره ، وضعف في تنفسه ، فعزموا عليه ألا يعود في مثل هذه الحال ، وأصروا عليه بوجوه مختلفة ، فأبى ذلك كله ، فركب سيارته عائدًا إلى بلده ، تمر الدقائق عليه ثقيلة وئيدة ، كل دقيقة منها تحبس جزءًا من نفسه ، يتلفت حوله فلا يرى أبًا حانيًا يشفق عليه بنجدة ، ولا أمًا تظلله برحمة ، ولا أخًا يسنده بإسعاف ، ويحدق أمامه فلا يبصر إلا امتداد الطريق الذي لم تعد قواه قادرة على إنهائه ، فلما انتصف الطريق ، اشتد به الكرب ، وفقد توازنه ، وزاغت عيناه ، وأحس بقرب أجله ، وشعر بأن كل شيء انتهى ، أوقف سيارته تحت جسر قريب ، لم يكن يملك قوة تعينه على طلب النجدة من المارين على هذا الطريق ، فقد الأمل في كل شيء ، فتوجه إلى الله تعالى ، يسلم إليه أمانة الروح ، فريدًا وحيدًا على سفر ، لم يحسن أن يفعل شيئًا سوى أنه خرج من سيارته بلا شعور ، فتمدد على مقدمتها ، علَّ الله تعالى أن يرحم ضعفه ، وينظر إلى غربته بعين الرأفة ، هنا وفي هذه اللحظة غاب عن حاله ، وغدا كمغمًى عليه لا يدري ماذا يجري له ، كل الذي يعلمه أنه أوشك على مفارقة الحياة ، وتوديع زينتها .
غير أن رحمة الله كانت تترقبه ، كيف وهو الرحيم الغفور ، الودود الحليم سبحانه .
وإذا دجى ليلُ الخطوبِ وأظلمت ... سبلُ الخلاصِ وخاب فيها الآملُ
وأيسْتَ من وجه النجاة فمالها ... سببٌ ولا يدنو لها مُتناوِلُ
يأتيك من ألطافه الفرجُ الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافلُ