إن توهيم همام في متن الْحَدِيْث وإسناده إنما يتجه فِيْمَا لَوْ صحت دعوى تفرده ومخالفته متنًا وإسنادًا، ولكننا نجد أن همامًا متابع عَلَيْهِ متنًا وإسنادًا، فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِم [1] - ومن طريقه البيهقي [2] - وأخرجه البغوي [3] من طريق يحيى بن المتوكل البصري [4] ، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، بِهِ مرفوعًا.
إلا أن البيهقي ضعّف هَذِهِ المتابعة [5] ، ظنًا مِنْهُ أن يحيى هَذَا هُوَ: ابن المتوكل، يكنى أبا عقيل، مكثر في الرِّوَايَة عن بُهَيَّة [6] ، وَهُوَ مدني، ويقال: كوفي، ضعفه ابن
المديني والنسائي، وَقَالَ ابن معين: ليس بشيء، ووهاه أحمد، وليّنه أبو زرعة [7] .
وَلَمْ يصب البيهقي في ظنه هَذَا، فيحيى هَذَا هُوَ آخر باهلي بصري، يكنى أبا بكر، ذكره ابن حبان في ثقاته [8] ، قَالَ العراقي: (( ولا يقدح فِيْهِ قَوْل ابن معين: لا أعرفه، فَقَدْ عرفه غيره، وروى عَنْهُ نحو من عشرين نفسًا ) ) [9] .
وَقَالَ ابن حبان: (( وَكَانَ راويًا لابن جريج ) ) [10] ، وفرّق هُوَ وابن معين بينهما [11] .
فمن هَذَا يظهر أن حال يحيى يصلح للمتابعة والاعتضاد، لاسيما وَقَدْ نص العلماء عَلَى عدم اشتراط أعلى مراتب الثقة في المُتابِع [12] . أما قَوْل ابن معين: (( لا أعرفه ) )، فأراد بِهِ غَيْر المتبادر إلى
(1) في مستدركه 1/ 187.
(2) في سننه 1/ 95.
(3) هُوَ الحافظ المفسر، حسين بن مسعود بن مُحَمَّد بن الفراء البغوي الشَّافِعِيّ، أبو مُحَمَّد، ويلقب محيي السنة، من أشهر مصنفاته:"شرح السنة"و"معالم التنْزيل في التفسير"، توفي سنة (516 ه) .
انظر: سير أعلام النبلاء 19/ 439، والبداية والنهاية 12/ 171، وطبقات المفسرين: 38.
والحديث أخرجه في شرح السنة (189) .
(4) هُوَ أبو بكر يحيى بن المتوكل الباهلي البصري: صدوق يخطئ، من التاسعة، مات بالمصيصة.
التاريخ الكبير 8/ 306، وتهذيب الكمال 8/ 82 تمييز، والتقريب (7634) .
(5) السنن الكبرى 1/ 95.
(6) التقييد والإيضاح: 108.
(7) هُوَ الحَافِظ عبيد الله بن عَبْد الكريم بن يزيد بن فرّوخ، ولد سنة (200 ه) صاحب"العلل"، إمامًا في النقد، وَقَالَ إسحاق بن راهويه: كُلّ حَدِيْث لا يحفظه أبو زرعة فليس لَهُ أصل، توفي سنة (260ه) ، وَقِيْلَ: (264 ه) .
طبقات الحنابلة 1/ 191 و 194، وسير أعلام النبلاء 13/ 65 و 78، والعبر 2/ 34 - 35.
ونص كلامه في"الكامل"9/ 39، والميزان 4/ 404.
(9) التقييد والإيضاح: 108، وانظر: سؤالات ابن الجنيد، ليحيى بن معين (926) .
(10) الثقات 7/ 612.
(11) سؤالات ابن الجنيد (926) و (927) .
والذي يظهر أن ابن عدي قَدْ حصل لَهُ خلط بينهما، فنراه يجعل الترجمة هكذا: (( يحيى بن المتوكل الباهلي مولى آل عمر مديني يكنى أبا عقيل ) ). ثُمَّ يسوق سندًا يقول فِيْهِ: (( حَدَّثَنَا الحسين بن عَبْد الله ابن يزيد، حَدَّثَنَا موسى بن مروان، حَدَّثَنَا يحيى بن المتوكل البصري ) ). الكامل 9/ 39. وهكذا نجده جعل الباهلي مدنيًا، وَهُوَ بصري، وساق سند البصري في ترجمة المديني، والله أعلم.
(12) شرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: 129.