الحمد لله وبعد: فإن حرب المصطلحات تكتيك استراتيجي ومعركة تبدأ من العقل الباطن لتنتهي في استطراق الفكر وتحجيم القدرة وخصْي المبادرة . حرب شديدة الفاعلية، قوية التأثير، تتسلل كالخلية السرطانية إلى عقول وأفئدة المسلمين لتسكنها، وتبدأ عملها في تخريب وتدمير ما حولها وذلك بعد أن يمكّن لها في الأرض عن طريق الإلحاح الإعلامي، وكثرة الدوران على ألسنة كتّاب ليسوا فوق مستوى الشبهات منهجيًّا وعقديًّا. بل ومما يؤسف أنها باتت تسكن في أفواه بعض كبار الكتّاب في الساحة في غفلةٍ منهم ، فلن تخطئ أذنك سماع كلماتٍ مثل: (أيديولوجية، ونظرية، وإرهاب، وديمقراطية، وفقه بدوي، ودولة مدنية، وعقلانية، ونصوصية) تدور بكثرة على ألسنة وأقلام الكتاب في الساحة الإسلامية. بل إن من الكتَّاب من يتحول إلى داعيةٍ لمصطلح بعينه، فيصير هاجسًا له، وزادًا يعلكه، وقضية يناضل من أجلها، حتى لو وقع في تناقضات مع نفسه، وابتلع مصطلحات متضاربةً أشد التضارب، وربما كانت كَنَسيّة المصدر، صليبية الاتجاه. ولو نظر الواحد بأدنى تأملٍ لوجد كثيرين ممن دعَوْا قديمًا إلى الاشتراكية يدعون اليوم إلى الديمقراطية، ويتعصبون لها ويُنظّرون ؛ برغم ما بين المصطلحين من تضارب كما بين الليل والنهار. هذه الحرب قديمة قدم وجود اليهود حين حرفوا الكلم عن مواضعه، وغيّروا نصوص التوراة والإنجيل دلالاتٍ وألفاظًا كما أخبر تعالى عنهم بقوله { مِنَ الَذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } كما استخدموها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في محجتهم ورطانتهم وحوارهم {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ } .