فهرس الكتاب
لم تحدث لعمر مشكلة في البلاد العربية والمدن التي مصّرها، وبقيت بلاد الشام على ولائها الأول، وأحسن المصريون لمحرر بلادهم، والليبيون على وئام مع سياسة عمر. وبقيت مشكلته مع العراقيين قائمة, مع أن دوره في العراق أكبر من دوره في بقية الأمصار العربية، وقد أصبح واحدًا بخارطته الحالية، ويسمى بأرض السواد لدكنة الخضرة فيه، ومنح العراقيين جميعًا بلا تمييز الجنسية العربية إن كانوا راغبين بها، وترك الآخرين يتمتعون بجنسياتهم، وعرض الإسلام على الراغبين به، ولم يكره أحدًا من الراغبين عنه. فبقي يهود السبي البابلي على ديانتهم، ولهم في العراق خمسة أضرحة أنبياء على الأقل، تركها عمر أماكن للعبادة. مثلما أبقى كنائس المسيحيين ودياراتهم على أمتار من ظاهر الكوفة. وترك المجوسيين على مجوسيتهم إلى إن أسلموا عن قناعة وإيمان.
وحمل عمر إلى العراقيين إسلاما واحدًا لم تطرأ عليه بعد بثور الفتن والانقسامات التي انتشرت على جسد الإسلام فيما بعد. وكان عمر قد أسس للعراقيين مدينة البصرة ثم الكوفة التي طارت بهما الحضارة العربية إلى العالم والكوفة جمجمة العرب ورأس الإسلام عنده.ولم تكن البصرة سنيّة ولا الكوفة شيعية.
ولم تكن البصرة والكوفة قد بلغتا سن العشرين حينما اختارت عائشة بنت أبي بكر وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبناؤهما مدينة البصرة للقاء عسكري ضد جيش الخلافة في مدينة الكوفة ووقوع معركة الجمل، فبدا الإسلام أمام العراقيين مشطورًا إلى نصفين في يومٍ واحدٍ، ولم يمض على توحيده سوى عشرين عامًا بجيش الفتوحات العمرية.
وفي الكوفة كانت الحرب بين الإمام الخليفة والوالي المنشق في الشام. قبل أن تنتشر في بقاع عراقية أخرى. وكتبت المقادير للكوفة أن تكون موطن الثورة الحسينية للإمام القادم من الحجاز، ووقوع مجزرة كربلاء. وأفاقت الكوفة بعدها على حركة ثأرية استئصالية للفتك بكل من فتك أو ساهم بقتل الإمام وأصحابه، وما لبث عبد الله بن الزبير الذي بويع في الخلافة بالحجاز أن وجه لأخيه مصعب لحرب في الكوفة انتهت بقتل المختار الثقفي وأتباعه والكثير ممن بقي حيًا من أتباع الحسين.
فإذا انتهى مصعب من حربه ووضع رأس المختار في قصر الإمارة بالكوفة وجد عبد الملك بن مروان الظرف مهيئًا لإرسال جيش ومقاتلة مصعب ابن الزبير والانتصار عليه وتعليق جثته ووضع رأسه المقطوع في قصر الإمارة بالكوفة.