أقول: لو كان الأمر بيدي لركنت إلى صُلبي وسكينتي، لكنّي خلقت غير مُوادع ولامُساكن، والأمر أمر ضاحية الكرادة وبساتينها التي ولدتُ وترعرتُ فيها على ضفة دجلة اليمنى، حيث هي اليوم بساتين المنطقة الخضراء.. والحياة على ضفاف الأنهار والمغامرة صنوان، فأنت صاعود نخلة عيطاء في الخامسة، وعابور دجلة سابحًا في العاشرة، وقاحوم ليل البساتين التي لم تعرف نور الكهرباء إلا في السنة الأخيرة من الدراسة في ثانوية الكرخ. وأشجار البساتين حرة وشبه مشاعة، وكان أيُّ منا ينتقل في لحظات من قعر النهر إلى قمة نخلة مترامية في السماء، أو فوق غصن توت. ولنا القدرة على التقاط الناضج، وانتظار موسمه الذي نعد أيامه على الأصابع.
كان النهر مصدر التحدي.. يأكل منا بعضنا ونأكل منه جميعًا. وبواسق النخل تتحدى قممنا الصغيرة، وكان علينا أن نعانق قممها فنصعد وتصعد الأيام، فإذا جَرَفَ النهر شقيقًا عُدنا إليه وكأن من ذهب كان قربانًا يضحي به الصيف للنهر الذي فقد نصف قوته. فإذا سقطتُ من أعلى نخلة، فقد سقط جدي وخالي، ولا يموت من يسقط من فوق نخلة. ولم نعرف سرّ هذا السر؟.
لا أظن الأمر قد اختلف عليَّ كثيرًا. والإبحار لم يكن في المجهول. ولاشيء مجهولًا في بساتين الكرادة حتى مكامن الأفاعي ومتارب العقارب، فلم يحدث أن لدغ أحدنا وهو شبه حافٍ في ليلٍ دامس يبحث في البستان عن شيء في لعبة الليل، بل المخاطرة وأكبر المخاطرة أن تعبر المألوف الاجتماعي أو تصعد فوقه وهنا الشجاعة والإقدام.
أظن الكتاب أصبح مفهومًا،.. سباحة فوق نهرٍ عريض وصعودا على جذعٍ طويل، وبحثًا في بستان الأفاعي والعقارب عن مفقودٍ بين البساتين والماء.
أما صاحب الكتاب فكان من ذلك كله وهو فوق ذلك كله، لم يأنس العيش في مقطع زمني حددته له الأقدار، وأقعدته فيه العقائد، فصار ابن الكرادة المفتوح على الماء والسماء والمتحرك مابين قعر النهر وقمة النخلة كاتبًا، وكان لابد إلاّ أن يكون هكذا مفتوحًا على ثلاثة أجيال وسبعة أطياف.
فإذا هَرُم جيل فله جيلان. وإذا نكث طيف فعنده الأطياف الستة.
وسلامٌ على النخل ذي السعفات الطوال وسلامٌ على التشيّع.
وعلى ابن حنتمة ألف سلام.
حسن العلوي
بغداد - الكرادة
ثنائية الكتاب