فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 218

وتاريخ العراق العمري يبدأ في العام الثاني عشر للهجرة بقرار بناء مدينة البصرة، ثم الكوفة من بعدها، لتشكل هاتان المدينتان الجذر المزروع لحضارة عربية إسلامية، ستنشأ وتربو وتهيّء لأبي جعفر المنصور بناء المدينة الثالثة التي استعصم فيها، فصارت بغداد مركز تلك الحضارة، والبصرة والكوفة جناحيها اللذين طارت بهما من الصين إلى أبواب فرنسا.

إن عمر من هذا الجانب مؤسس حضارة رافدية مثلما كان سرجون الأول وحمورابي ونبوخذ نصر.

ولعله أضاف إلى سكان بلاد الحضارات الرافدية، حضارةً أخرى إلى جانب السومرية والبابلية والآكادية والآشورية.

وسيكون الاهتمام بعمر والاقتراب منه من باب الاهتمام بالتاريخ العراقي وتكريم مؤسسيه الأوائل.

وسيكون حُب عمر بن الخطاب من حُب العراق والاعتزاز به من باب اعتزاز الشعوب برجال استقلالها وإنماء شخصيتها الحضارية التي كانت نهب الناهبين، والعراق آنذاك في منطقة فراغ، إذ لم يغط الاحتلال الفارسي للعراق الكتلة السكانية والجغرافية وإنما عاش محصورًا في قطع صغيرة، وانتشر بأسلوب الأرخبيل على جزر لم تشكل أكثر من ربع مساحته الجغرافية، بينما أنساح العراق العمري على جغرافية العراق من بصرتها إلى موصلها.

إن عمر بن الخطاب بدوره هذا، إنما مَنَح دورًا للعراقيين ولبقاع مغمورة كالبصرة ومهجورة كالكوفة وغير معروفة كبغداد أن تكون جاذبًا لاستقطاب القبائل العربية الكبرى، فاستقرت المضرية في البصرة واليمانية في الكوفةِ وبهما أخذ العراق شكله العربي الأول.

وخلال وقت لا يحسب بجداول الزمن، صارت الكوفة مركز القيادة لحركة الفتوحات، وأصبحت مصائر دول عريقة وشعوب آسيويةٍ تمتد من جنوب العراق ومن بحر قزوين حتى مشارف الصين، مرهونةً بالقرار الذي سيصدر من الكوفة.

والعربي في العراق لابدَّ أن يكون خارجًا إلى مدينته الحالية من الكوفة، ولو كان جنوبيًا، إذا لم تتحرك الجيوش العربية صاعدةً من البصرة، بل نازلةً من الكوفة إلى مدن الفرات الجنوبية، أو عابرةً إلى دجلة ومنها إلى بحر القزوين، بعد أن تكون قد التفتت إلى الشمال لتتربع الموصل على جذرها العربي القادم من الكوفة.

و بفضلِ عمر مؤسس البصرة وممُصر الكوفة، تعرفت العرب على مدارس النحو واللغة وعلوم الكلام والفلسفة.

إن دور عمر في العراق مثل دوره في مصر، والعراق العمري صنو مصر العمرية التي أضافت إلى حضارتها حضارةً جديدة ومدنًا جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت