ثانيًا- بعض الأضواء على الجديد في دراسة (الحرف العربي، والشخصية العربية) :
بعد أن انتهيت من دراستي (خصائص الحروف) ثبت لي على واقع آلاف الأمثلة المضروبة أن العربي قد اعتمد خصائص الحروف ومعانيها في ألفاظه للتعبير عن معانيه، ولقد آخى في ذلك بصورة عامة بين القيم الجمالية والقيم الإنسانية، مما يشير إلى فطرية العربية.
ولكن هذه الفطرية تفترض بداءة الحرف العربي وفجرية الإنسان الذي أبدعه. بمعنى أنهما قد نشآ وترعرعا واستوفيا شروط تكاملهما ونضجهما في بيئة محددة هي حصرًا (الجزيرة العربية) ، لم تغزهما فيها لغة ما، ولا شعب آخر، والعكس صحيح. وهذا يقتضي أن تكون الجزيرة العربية الأم هي الأسبق حضاريًا وثقافيًا من سائر المناطق المجاورة.
ولما كان العربي قد اعتمد في آلاف الأمثلة المضروبة الخصائص (الهيجانية والإيمائية والإيحائية) في الحروف العربية للتعبير عن معانيه، فلا بد أن تعود أصولها إلى مراحل حياتية متفاوتة في الرقي، قد أمضاها في جزيرته البكر حصرًا.
فالهيجاني أقل تطورًا من الإيمائي، وهذا أقل تطورًا من الإيحائي، وهو أرقى وسائل التواصل اللغوي، مما لم يعد له نظير في أي لغة معاصرة أخرى، وهذا يعني أن الحروف العربية تنتمي بالضرورة إلى مراحل حياتية ثلاث متفاوتة في التطور والرقي.
ولكن ماذا عن طبيعة هذه المراحل؟ ومتى بدأت كل واحدة منها، ومتى انتهت. ثم ما هي الرابطة الفطرية الطبيعية بين كل مرحلة منها وبين خصائص الحروف التي ورثناها عنها؟ وأخيرًا، ما هي طبيعة العلاقات الفطرية المتبادلة بين الحرف العربي والإنسان الذي أبدعه؟
لذلك واستكمالًا لدراستي العتيدة (خصائص الحروف) ، وحماية لها من نقد الشاكيّن الأبرياء، ومن تحامل المشككين بفطرية العربية وحروفها، كان لا بد لي من الإجابة عن تلك التساؤلات، وغيرها بالعودة إلى المراجع المختصة.