كبرى، وأن هذه الثورة قد أدت إلى وضع حل اشتراكيٍّ إسلاميٍّ يشبه -في صورته العامة- أحدث ما وصل إليه التفكير الاشتراكيّ في أكثر بلاد الغرب.
ونبدأ دراستنا في هذا ببيان التطور الذي أدخله الإسلام على معالجه مشكلة الفقراء في العالم كله، ثم نُتْبعه -إن شاء الله- بحركة التجديد التي يزعمها ابن حزم.
التطور الذي أدخله الإسلام
كلمة التطور تعني: الانتقال من حال إلى حال، ومن ثم كان من الطبيعي لمن يتحدث عن التطور أن يبين نقطة البداية والحالة الأولي تمهيدًا لبيان التطور الجديد، فما هي الوسيلة الأول التي كانت تستخدم قديما في علاج الفقر؟
الإحسان:
كانت فكرة الإحسان أقدم الوسائل التي استخدمتها الديانات السماوية لمعالجة مشكلة الفقر في المجتمع، وقد اعتمدت عليها الإنسانية عصورًا طويلة في مكافحة مظاهر البؤس والفاقة، ومعاونة جماهير الفقراء والمساكين، ولكن هذه الفكرة -على جلالها وسموّها وحسن أثرها- لم يكن في مقدورها أن تستأصل الفقر من جذوره، وتنهض بجموع العَجَزَة والمعوزين إلى مستوى الحياة الإنسانية الكريمة، ويرجع هذا إلى طبيعة الفكرة ونقصها، ومن ثَمَّ كان لا بد لنا أن ندرس حقيقتها، ونعرف خصائصها، ونحدد مواضع النقص والقصور فيها ليتسنّي لنا أن نضع أصابعنا على أسباب فشلها في تنقية المجتمع من شرور الفقر والفاقة.
للواجبات في الحياة -عادة- وجهان: فهي من ناحية واجب ومن الناحية الأخرى حق، فالثمن في البيع يمثل من ناحية المشتري واجبًا يجب أداؤه، ولكنه يمثّل من ناحية البائع حقًّا قائمًا له أن يتقاضاه.
ويستمد هذا الحق قوته من عاملين:
العامل الأول: أن وراءه مُطالبًا يطالب به ويستقضيه ولا يتركه للإهمال أو الضياع، والثاني أن الدولة نفسها ترى من واجبها إيصال هذا الحق إلى مستحقة.
ونستطيع أن نقرّر في ثقة واطمئنان أن العامل الأكبر في نجاح عملية التبادل هو: وجود فكرة الحق إلى جانب فكرة الواجب، وأن فكرة الواجب -وحدها- لا يمكن أن تكون أساسًا لنجاح هذه العلمية، ولا يقل عن هذا وضوحًا أن تدخل الدولة إلى جانب صاحب الحق أمرًا لا غنى عنه؛ ليصل صاحب الحق إلى حقّه، ويقوم مَنْ عليه الواجب بأداء واجبه.
كانت هذه مقدمة لا غنًى عنها لفهم فكرة الإحسان. فالإحسان يمثل -في أغلب الأذهان- واجبًا لا حقًّا ومن ثم لم يشعر الفقيرُ في العهد الذي سادت فيه فكرة الإحسان أن له على الغنيّ حقا يجب أن يطالبه به ويأخذه منه، ومن ثم استطاع الأغنياء أن يهملوا الإحسان دون أن يطالب به الفقراء أو تقوم الدولة بتحميله لهم ودفعه إليهم.
وفى فكرة الإحسان أيضا أمور حالت دون تدخّل الدولة إلى جانب الفقير، ويرجع هذا إلى أمرين هامين: