فهرس الكتاب
الرجال لا يبكون، قد يتألمون، يقتلهم الانفعال، يفتتهم الأسى ولكنهم لا يبكون، هكذا علمه أبوه.
لا يذكر أنه ذرف دمعة واحدة طيلة حياته، كانت بعض المواقف مؤثرة للغاية، وكانت تمور في أعمق أعماقه انفعالات تدفعه للبكاء والعويل، لكنه كان يبذل جهودًا خارقة لكبتها ولجمها. ينتقل في غرف البيت كالمحكوم بالإعدام قبيل تنفيذ الحكم، وتختلط في ذهنه شتى الاحتمالات والعديد من الصور، لقد هزته هذه المكالمة هزًا عنيفًا، ولا بد من القيام بعمل ما لمعرفة ما حدث. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى قرع باب الدار، ينطلق كالسهم، يفتح الباب، يصعقه المنظر، أربعة جنود يحملون تابوتًا ملفوفًا بعلم البلاد، يتسمر في مكانه، يدخلون التابوت ويقدمون له العزاء، يعجز عن الرد، أحدهم يقبله والدموع تتقاطر في عينيه، وآخر يقول:"لقد استشهد أحمد، وهو يقاتل قتالًا ضاريًا، مات ميتة الرجال". غادروا الدار وأغلقوا الباب من ورائهم، بقي والتابوت وحيدين في الدار التي خيم عليها صمت مميت.
لقد استشهد أحمد إذن، يحس بدوار شديد وخدر يبلد مشاعره، يجثو بجانب التابوت، يرفع غطاءه، ألواح الجليد على الجثمان، تمتد يدان معروقتان مرتجفتان باتجاه الوجه، وتشخص عيناه وهو يحاول رفع الكفن عن الوجه، ينجح، ويطل وجه أحمد، شعره ووجهه مرطبان بماء الجليد، عيونه مغمضة ولونه أصفر فاقع. يحس باحتراق في أحشائه يصل حنجرته، ويسمع بوضوح جريان الدم في عروقه. يمط رقبته لتقبيل أحمد، يغمر الوجه بالقبلات وتتغلغل يداه في الشعر الأسود، ثم يرفع رأسه وعيناه لا تفارقان قسمات الوجه.
الرجال لا يبكون، يتألمون، يقتلهم الانفعال، يفتتهم الأسى، ولكنهم لا يبكون.
يقفز كالملسوع، لا بد من إبلاغ أم أحمد، ولكن كيف؟