فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 75

ارتديت ثيابي على عجل، رغم أن هناك متسعًا من الوقت، فلقد كان نور صديقًا حميمًا منذ الطفولة، يطلعني على أدق تفاصيل خصوصياته. وكان قارئًا نهمًا، يحاول باستمرار أن يطور ثقافته، وهو إلى جانب ذلك نموذج متفرد في أشواقه المجنونة لعالم جديد مطهر من الوضاعة والظلم والمفاهيم المشوهة. ورغم اختلافي معه في بعض الموضوعات، كنت احترمه لحرصه على عدم فرض قناعاته على أحد، بل وأكثر من ذلك، كان يردد بأقصى درجات الصدق أن آراءه مجرد محاولات أو اجتهادات قد تكون صائبة أو قد لا تكون. يُعلي من شأن العقل، ويغوص في تحليلات وكتابات نقدية عن العلاقات الاجتماعية وواقع الأمة بشكل عام. لا يشغله تحسين أوضاعه المادية وكذلك مركزه الوظيفي، إذا ما شكل ذلك تناقضًا ولو بسيطًا مع قناعاته واجتهاداته. ورغم عقلانيته والروح النقدية التي يتمتع بها، كان عاطفيًا إلى حد كبير، وقد يكون ذلك مرجعه إلى طفولته اليتيمة. وكان للمرأة دور هام في حياته. وقد أدى اهتمامه الكبير بقضية تحرر المرأة، ومفاهيمه المتقدمة عنها، إلى التقليل من دور الموروث في تصرفاتها ورؤيتها. وما إن وصلت مقهى الواحة حتى طلبتُ فنجانًا من القهوة، فما زال لدي نصف ساعة كاملة حتى يحين موعد اللقاء. لقد سيطر عليّ التفكير بنور وقصة حبه الفاشلة. فمنذ خمس سنوات أخبرني عن إعجابه الشديد بنشوة التي كانت تعمل معه في نفس البنك. قال لي يومها:"إنها المرأة الحلم التي أريد، الطريق إلى قلبها يمر عبر عقلها، إنها ناضجة، طموحة، دؤوبة وتتعامل مع الآخرين باحترام وذكاء ملفتين"، قلت له آنذاك وأنا أعرف مدى اهتمامه بثقافة الإنسان ورؤاه:"وماذا عن ثقافتها ورؤيتها؟"أجابني بارتباك: إنها ليست مثقفة،إلا أن استعداداتها للثقافة كبيرة، ورؤيتها عمومًا تقليدية، ومع ذلك، فهي تعاني أحيانًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت