مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة، اقتصرتُ فيها على المعلومات المفيدة لعموم الناس، ولطلبة العلم الذين لا يجدون وقتًا لمراجعة وبحث المسائل الفقهية، فصاروا يأخذون فتاواهم من بعض مشايخ الفضائيات الذين يبيحون ما أباحه أو حرمه الله، وأمّا العلماء العاملون فإنهم لم يترددوا لحظة في حكم تغيير شعائر الله، ومثلُ هذه الأمور واضحة عندهم أكثرَ مِن وضوح الشمس في رابعة النهار، ولكن الذي أشكل عليهم هو ادعاء القائمين على توسعة المسعى بأنّ التوسعة ما تزال ضمن الصفا والمروة، واستدلوا ببعض التحريف والخداع، فخدعوا علماء المسلمين فانخدَعَ بعضُهم لهم.
والدافعُ لكتابة هذا الكتاب أنني علِمتُ إجماع الأمة على حرمة توسعة المسعى لأكثر مما بين الصفا والمروة، وعلِمتُ تواتر النقل إلينا في تحديد الصفا والمروة، ورأيتُ صورًا"فتوغرافية"كثيرة تؤيِّد هذا المتواتر، وكلُّ هذا لم يَختلف عليه اثنانِ حتى ما قبلَ عدّة سنوات، ولكن الذي حصل بعدَ استلام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله الحُكمَ أنه أحبَّ إراحةَ الحجاج من مشاكل الزِّحام في المسعى، فطَرح فكرةَ توسيع عرض المسعى لمناقشتها من قِبَل علماء الشريعة، فسارع أصحابُ المصالح مِن بعض العلماء وغيرهم لتأييد فكرته وأنها صحيحة بلا أدنى شكٍّ وأنّ فيها كاملَ رضى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، ثم قام المسؤولون عن توسعة الحرم بتجاهل فتوى هيئة كبار العلماء التي تحرِّم توسعةَ المسعى ثم لم يَعرِضوا هذه المسألة على أيِّ مَجمَعٍ علميٍّ ولا حتى على رابطة العالم الإسلامي الموجودة بمكة المكرمة، كما قاموا بنشرِ أيِّ شيءٍ يؤيِّد ويبيح توسعة المسعى ولو كان تحريفًا أو خداعًا
(1) هذا أمر متكرر مع جميع الحكام، فلا تكون اللائمة على الحاكم عندما يُصدِر أمرًا فيه مخالفة لأمر الله تعالى بمقدار اللَّوم على علماء السوء الذين يَكذبون على الله ويُغيِّرون أحكامه، فلعلّ الحاكم أراد خيرًا فأخطأ، أمّا هؤلاء المشايخ فعَلِموا الحقَّ ثم تَعمّدوا خلافه، وفي سِيَر أعلام النبلاء للحافظ الذهبي 5/ 151 أن الخليفة يزيد بن عبد الملك قال عندما استلم الحكم: (سِيروا بسِيرة عمر بن عبد العزيز، فأُتِيَ بأربعين شيخًا شَهِدوا أنّ الخلفاء ما عليهم حسابٌ ولا عذابٌ) .