الصفحة 11 من 20

أجاب جمهور العلماء عن اعتراض القائلين بجواز مس المحدث المصحف على أدلة التحريم بما يأتي:

أولًا: أنا نمنع أن قوله سبحانه:) لا يمسه (خبر فقط ورفع السين فيه لا ينفي إرادة النهي، بل هو خبر تضمن نهيًا؛ لأن خبر الله لا يكون خلافه، وقد وجد من يمس المصحف على غير طهارة، فتبين بهذا أن المراد النهي، وليس الخبر، وقد ورد مثل هذا كثير في الكتاب والسنة، ومنه قوله عز وجل:) لا تضار والدة بولدها ( [البقرة233] فإنه خبر تضمن نهيًا، ومنه في السنة قوله صلى الله عليه وسلم:(لا يبيع أحدكم على بيع أخيه) بإثبات الياء، فإنه خبر تضمن نهيًا [1] .

وأما القول بأن الضمير في قوله سبحانه:) لا يمسه (إنما يعود على الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، لا على المصحف الذي بأيدي الناس، فالجواب: أن قوله سبحانه:) تنزيل من رب العالمين (بعد قوله سبحانه:) لا يمسه إلا المطهرون (فيه دلالة ظاهرة على إرادة المصحف الذي بأيدي الناس، فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح [2] .

كما أن القول بأن المراد بـ المطهرين في الآية هم الملائكة وليسوا بني آدم؛ لأن المطهرين هم الذين طهرهم غيرهم، وأنه لو أريد بهم بنو آدم لقيل (المتطهرون) .

فالجواب: أن المتوضئ يطلق عليه طاهر ومتطهر، وهذا سائغ لغة [3] .

ومع التسليم بأن المراد بالمطهرين الملائكة كما هو قول جمهور المفسرين، فإنه يمكن الاستدلال بالآية بقياس بني آدم على الملائكة [4] ، أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (من باب التنبيه والإشارة؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر، والحديث مشتق من هذه الآية) [5] .

وقال أيضًا: (الوجه في هذا والله أعلم أن الذي في اللوح المحفوظ هو القرآن الذي في المصحف كما أن الذي في هذا المصحف هو الذي في هذا المصحف بعينه سواء كان المحل ورقًا أو أديمًا أو حجرًا أو لحافًا، فإذا كان مِنْ حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك؛ لأن حرمته كحرمته، أو يكون الكتاب اسم جنس يعم كل ما فيه القرآن سواء كان في السماء أو الأرض، وقد أوحى إلى ذلك قوله تعالى:) رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة ( [البينة2 - 3] ، وكذلك

(1) - انظر: المجموع شرح المهذب، 1/ 80، إظهار الحق المبين، ص، 18.

(2) - انظر: المصدرين السابقين. وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، 17/ 225: (وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر) .

(3) - انظر: المصدرين السابقين.

(4) - انظر: كشاف القناع، 1/ 134.

(5) - التبيان في أقسام القرآن، 1/ 402، وانظر نحوه في: البحر الرائق، 1/ 211 نقلًا عن العلامة الطيبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت