ولأجل تبسيط صورة هذا الموضوع أكثر أضْرِب مثلًا، فأقول: لو أن مسلمًا عقد عقدًا ربويًا وقبض المعقود عليه، وليكن أسهمًا قبضها بعقد ربوي ووضعت في محفظته (5) ، ولم يضارب بها، ورغب في أرباحها ثم استحقت الأرباح، فهل يملك تلك الأسهم بالقبض؟ ولمِن تكون هذه الأرباح المقبوضة بعقد ربوي ؟
هل تكون لمشتري تلك الأوراق المالية بعقد فاسد أو للمالك الأصل (البائع) وهي (الشركة مصدرة تلك الأوراق) بناء على أن المقبوض بعقد فاسد لا يملك؟
ولأجل معرفة لمن الأرباح؟ لابد من معرفة لمن الأصل (السهم المقبوض بعقد ربوي) أي هل تملك تلك الأوراق المالية بالقبض أو لا ؟
هذه المسألة من النوازل الفقهية التي لم يتطرق لها الفقهاء السابقون بحثًا وتدليلًا، ولكن أصولها موجودة في كتبهم، فإن هذه المسألة تعود إلى مسألة ( ملكية المقبوض بعقد فاسد ) فيكون التخريج عليها.
فيقال: إن العلماء اختلفوا في تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية (6) ، والشافعية (7) ، والحنابلة (8) ، وبعض الحنفية (9) إلى أن العقود الربوية لا تملك ولو اتصل بها القبض، بل هي مفسوخة أبدًا، وعلى قولهم هذا فلا تملك الأوراق المالية الربوية بالقبض، ويجب فسخ العقد وردها .
جاء في"المدونة"عن ابن وهب قال: ( وسمعت مالكًا يقول الحرام البين من الربا وغيره يرد إلى أهله أبدًا فات أو لم يفت(10 ) ) (11) .
وقال ابن عبد البر: ( قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده، فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبدًا، ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} (12) .
ثم قال: (هذا قول صحيح في النظر وصحيح من جهة الأثر فمن قاده ولم يضطرب فيه فهو الخيِّر الفقيه...) (13) .