والمتتبع لما عليه أئمة المذاهب يجد أنهم عملوا بالحديث الضعيف، وقدموه على الرأى، وكان الإمام أحمد يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره، ولم يكن ثم ما يعارضه، وفى رواية عنه: «ضعيف الحديث عندنا أحب من رأى الرجال» (12) .
خلاصة الأمر:
يتضح لنا في هذه المسألة ثلاثة آراء:
الرأى الأول: أن يعمل بالحديث الضعيف مطلقًا، أى في الحلال والحرام، وغيره بشرط أن لا يوجد غيره، ولم يكن من الأدلة ما يعارضه، وممن اشتهر عنهم هذا الرأى الإمام أحمد بن حنبل، وأبو داود وغيرهما.
لكن الإمام ابن تيمية في منهاج السنة يقول: «قولنا: إن الحديث الضعيف خير من الرأى، ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم وأمثالهما ممن يحسن الترمذى حديثه أو يصححه» (13) .
وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين: «الأصل الرابع من أصول الإمام أحمد التى ببنى عليها فتاويه: الأخذ بالمرسل، والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذى رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما في رواته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعًا على خلافه: كان العمل به عنده أولى من القياس» (14) .
ولكن يعترض على ذلك بأن ابن منده حكى أنه سمع محمد بن سعد الباوردى يقول: كان مذهب النسائى أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأى الرجال (15) .
الرأى الثانى: لا يجوز العمل بالحديث الضعيف مطلقًا لا في فضائل الأعمال، ولا في الحلال والحرام، ونسب هذا الرأى إلى القاضى أبى بكر بن العربى، والشهاب الخفاجى، والجلال الدوانى، وممن توسع في هذا الرأى، والعمل به الإمام اللكنوى في «ظفر الأمانى بشرح خلاصة الجرجانى» ، وفى رسالته «الأجوبة الفاضلة» ، وكذلك الخطيب في «الكفاية» وابن عدى في كتابه «الكامل»
الرأى الثالث: وهو مذهب جماهير المحدثين والفقهاء وغيرهم، وحكى الاتفاق عليه الإمام النووى، والشيخ على القارى، والإمام ابن حجر الهيتمى، وقد بين الإمام ابن حجر العسقلانى شروطًا في ذلك مما يجعل رأيه موضحًا لأصحاب هذا الرأى سبق ذكرها، وهى:
الأول: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائى الاتفاق عليه.