وبه - سبحانه - نستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه أجمعين، آمين، أمّا بعد ...
فيا أبا عبد الله حفظك الله لطاعته، وأسبغ عليَّ وعليكَ من رحمته، ووسعنا جميعًا بمغفرته، تطلب مني أن أكتب لك شيئًا تُحلِّي به نفسك، وترفع به همتك، وتقوي فيك الصبر على ما نحن فيه من أحوال، وأنت تعلم أن طريق ولاية الله طريق الصبر واليقين، لأنه يجمع أمرين اثنين هما: صعوبة ومشقة الحال، وراحة ونوال المطلوب في المآل، فالأول لا يقطع إلا بالصبر والثاني لا يحصل إلا باليقين، فنحن اليوم وإن كنا في القيد والأسر، ويتحكم فينا أنزال سفلة، يغلقون عنا الخير الذي نريده من الجهاد، ويمنعون عنا أعظم ما يحتاجه الإنسان وهو الحرية لقوله - سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ} وقد جمع الله كراهية قتل المرء نفسه مع خروجه من دياره في مقام واحد، وذلك لعظم خروج المرء من دياره، والسجين يعاني أشد من إخراجه من دياره، فهو فيه هذا وفيه أكثر وهو القيد حتى عد بعض أهل العلم السجن هو تطبيق لقوله تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} لقول الشاعر:
إذا جاءنا السجان يومًا لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
لكن يا صاحبي وأخي إن ما يرطب ذلك كله أن هناك الدار الآخرة، وهناك الحساب والجنة والنار، وهي حقائق أعظم من حقيقة اللحظة التي نعيشها، فإن لحظات هذه الدنيا زائلة ذاهبة، ولحظات الجنان مقيمة دائمة، فوالله لو كشف للمظلوم المسجون بسبب دينه وحبه الجهاد ماله من الأجر في الآخرة لتمنى أن لا يخرج مما هو فيه، لكننا أبناء الدنيا يا أبا عبد الله، فلنا شهواتنا ورغباتنا، وفي داخلنا إنسانٌ مُرَكَّبٌ على حُبِّ النعيم، فلا تجزع ولا تحزن، وليكن من يقينك الذي لا تغفله أن العاقبة للمتقين، فنحن نركض إلى اليسر من العسر الذي نحن فيه، وخصومنا المجرمون يركضون إلى العسر من اليسر الذي هم فيه، فنحن أسعد